مدخل :
تشهد العاصمة السودانية في مدنها الثلاث الخرطوم وبحري وأم درمان انتشاراً غير مسبوق للمتسولين في الشوارع العامة وتقاطعات إشارات المرور وأماكن التجمعات في الأسواق والمحال التجارية والمقاهي وخطوط المواصلات والمستشفيات، بخاصة وسط الأطفال والنساء والمسنين، ويدخل هؤلاء في ممارسة التسول بجولات متكررة طوال النهار وحتى المساء في ظاهرة وصفتها السلطات بالانفجار بسبب تمدد الحرب، مما أدى إلى تصاعد موجات النزوح وارتفاع نسبة الفقر والنقص الحاد في الغذاء مع عجز المواطنين عن تأمين لقمة العيش جراء فقدان مصادر الرزق من دون حلول ناجعة من الحكومة أو المجتمع الدولي .
وبحسب متخصصين اجتماعيين، فإن تفشي ظاهرة التسول وتفاقمها يأتي في ظل تراجع المؤسسات الرسمية المعنية عن تقديم الرعاية والدعم النفسي والاجتماعي، علاوة على عرقلة وصول المساعدات الإنسانية للفارين من الحرب، ويختبئ خلف كل متسول قصة يرويها للمارة بغية الحصول على المال.
وكان وزير الرعاية الاجتماعية السوداني معتصم محمد صالح أكد ارتفاع نسبة الفقر من 21٪ إلى 71٪ خلال الحرب، مشيراً إلى انتقال 23 مليون سوداني إلى مرحلة خط الفقر بسبب الآثار الناجمة عن الصراع المسلح وفقدان الأصول ووسائل كسب العيش.

ولاحقاً نشرت منظمة الهجرة العالمية في نهاية أكتوبر (تشرين الأول) الماضي نتائج تقييم أظهر أن 86٪، من الأسر تعاني صعوبات في شراء حاجاتها بسبب انخفاض الدخل والتضخم وغياب النقد المتداول واضطراب الأسواق المحلية، وأوضح التقييم أن 16٪ من الأسر لديها دخل ثابت، فيما تعتمد البقية على أعمال هامشية غير مستقرة، مما يجبرها على الاستعانة ببدائل من ضمنها تخطي الوجبات الغذائية والتسول.

تفكيك الأسر والعوز :
الاختصاصي الاجتماعي مهدي يوسف قال “الحرب تسببت في تفكيك الأسر وهدم النسيج الاجتماعي، فهناك عائلات فقدت رب الأسرة الذي يعتبر الركيزة الاقتصادية الذي يلبي حاجاتها، وباتت غالبية الأسر تعاني العوز، مما أدى إلى خروج الأطفال والنساء للتسول”، وتابع يوسف “كذلك شتت الحرب العائلات مما أدى إلى إفراز مشكلات أثناء الفرار، إذ أكدت التقارير انفصال الأطفال عن ذويهم وباتوا مشردين داخل مدن العاصمة ومناطق أخرى، حيث ينتشرون في أماكن التجمعات والأسواق والمحال التجارية ومحطات المواصلات من أجل الحصول على المساعدة، بل يجوبون الأحياء السكنية وطرق أبواب المنازل التي عاد إليها سكانها لطلب الطعام”.
وأضاف “اندلاع الحرب في الخرطوم أسهم في تدمير دور الرعاية الاجتماعية التي تأوي مئات المشردين، إذ كانت توفر لهم المأوى والغذاء والكساء والتعليم، وتوقفها عن العمل جعلهم في قائمة المتسولين ومعظمهم يمارس التسول في مناطق النزوح”.
ومضى الاختصاصي الاجتماعي موضحاً أنه في “فترة ما قبل اندلاع الحرب كان التسول يدار بطرق احترافية بواسطة شبكات منظمة تستغل الأطفال والنساء، وتفاقمت الظاهرة عقب اتساع رقعة الصراع وتصاعد موجات النزوح من الولايات التي شهدت مواجهات محتدمة، مما شكل ضغطاً على الولايات الآمنة، وفي تقديري أن النهج الذي اتبعته السلطات في ولاية الخرطوم بترحيل الأجانب سيسهم في الحد من توسع دائرة التسول الممنهج في ظل الأوضاع الاقتصادية والتدهور الأمني وغياب الرقابة من الجهات المتخصصة، إذ إن وجود هذا الكم الهائل من المتسولين في العاصمة سيفرز مزيداً من الظواهر السلبية”.

سلسلة أزمات :
من ناحيتها، أوضحت المتطوعة في مجال العمل الإنساني تبيان محمد أن “أعداد المتسولين في مدن العاصمة الثلاث تصاعدت معدلاتها بسبب النزوح والأوضاع الاقتصادية التي أضعفت القوة الشرائية، والعجز في الحصول على الغذاء نتيجة ارتفاع الأسعار وعدم ممارسة المواطنين أعمالاً مستقرة، بخاصة النازحون، مما أدى إلى وجودهم بشكل كثيف في تقاطعات الطرقات والمدارس ودور العبادة والمستشفيات، وإلحاحهم في طلب المساعدة، بيد أن سكان العاصمة يعانون أوضاعاً سيئة وبالكاد يتدبرون أمورهم المعيشية”.
وأشارت محمد إلى أن “التسول في الوضع الحالي الذي أفرزته هذه الحرب اللعينة لم يعد وصمة في نظر المجتمع على رغم تداعياته الكارثية، لا سيما أن الحاجة أصبحت أكبر من أي شعور آخر”.
ونوهت المتطوعة في مجال العمل الإنساني بأن “المطابخ الجماعية في العاصمة الخرطوم كانت ملاذاً للمشردين والمتسولين، إلا أن توقفها أسهم في حدة الجوع، كذلك فإن تخطي الوجبات من الممكن أن يقود إلى السرقة وأفعال إجرامية أخرى”.
حلول مستدامة :
في السياق رأى الباحث المجتمعي الزين خضر أن “التسول قبل اندلاع الحرب كان مرتبطاً بالتفكك الأسري وانفصال الوالدين والعنف الأسري والفقر الذي يؤدي إلى التشرد الجزئي أو الكلي للأطفال، إلى جانب التسرب من المدارس”.
وأضاف خضر “لكن بعد اندلاع الحرب انفجرت ظاهرة التسول، على رغم أن البلاد لا تملك إحصاء دقيقاً لعدد المتسولين، لكن من المؤكد أن هذا الانفجار يرجع إلى النزوح، لا سيما أن واقع الحال في الشارع العام يدل على أن التسول أصبح يفوق قدرة الجهات المعنية بالأمر وأنها عاجزة عن تقديم مساعدة للمتسولين في الوقت الحالي، إذ كانت تقوم في السابق بحصرهم وتقديم الطعام والمأوى وإدماجهم في المجتمع”.
وواصل “من الضروري إيجاد حلول مستدامة أبرزها تفعيل مراكز الرعاية الاجتماعية، والعمل على جمع المتشردين والمتسولين من الطرقات، إلى جانب تمليك الفقراء وسائل للإنتاج عبر مشاريع صغيرة بعد سد أبواب أرزاقهم”.
ولفت الباحث المجتمعي إلى أن “المشاريع الزراعية المنتشرة في معظم ولايات البلاد كان لها دور كبير في كفالة الأسر واستيعاب الأيدي العاملة التي تمتد الآن للتسول”.
دوامة النزوح :
ووفقاً للأم المتحدة، فإن الحرب شردت ما يقارب 13 مليون سوداني، نزح 8.6 مليون شخص منهم داخلياً، بينما لجأ أكثر من 4 ملايين إلى دول الجوار بخاصة مصر وأوغندا وتشاد وإثيوبيا، وأشارت المنظمة إلى تعرض نحو 10 ملايين شخص للنزوح أكثر من مرة داخل البلاد بسبب تمدد الحرب واتساع رقعتها، مبينة أن أكثر النازحين تضرراً هم النساء والأطفال.




