قٌصاصات تطوعية
أخر الأخبار

بين دويّ المدافع ونداء الإنسانية: حكاية أبو عُمر في دروب العطاء

يرويها : مأمون عمر

​بسم الله الرحمن الرحيم،

لكل إنسان في هذه الحياة درب يختاره، وقد اخترت أن يكون دربي ممهداً بالخير ومسكوناً بهاجس الخدمة العامة. بدأت حكايتي في تسعينيات القرن الماضي، وتحديداً في عام 1992، حين خطوت أولى خطواتي في عالم الهلال الأحمر السوداني من خلال دورة إعداد مدربي الإسعافات الأولية بولاية الجزيرة. كانت تلك الدورة، التي احتضنتها مدينة “كنانة” تحت إشراف قامات لا تُنسى مثل الراحل محجوب سلطان والأستاذين نور الدائم وأحمد عبد الحافظ، هي حجر الزاوية الذي شكل ملامح هويتي التطوعية.

​من هناك، انطلقت في محلية الحصاحيصا، حيث التحقت باللجنة التنفيذية لمكتب الهلال الأحمر، وأدين بالفضل بعد الله لرواد علمونا معنى البذل، كالراحل المهندس جعفر رحمة الله والأستاذ سنان الزينة. لم تكن مجرد مهمة رسمية، بل كانت رحلة ممتدة في التدريب عبر كل القرى والوحدات الإدارية، حتى أنني أفخر اليوم بتدريب ما يزيد عن 6523 متطوعاً على منهج الإسعافات الأولية، ليكونوا سواعد بناء في مجتمعاتهم.

​كنا نؤمن بأن التطوع ابتكار قبل أن يكون واجباً، فاستحدثنا مشروع “بسمة طفل” لتوفير المستلزمات المدرسية للأيتام والمحتاجين، وشهدنا كيف التفّت مجتمعات الحصاحيصا حول هذه الفكرة الرائدة. ومع مرور الأيام، صقلتني التجارب في حملات التحصين والتوعية والأسابيع الثقافية، حتى انتقلت لمواجهة قضايا أكثر تعقيداً من خلال رئاسة المنظمة الشبابية لمكافحة الإيدز. هناك، خضنا تجارب فريدة كبرنامج “زواج المتعايشين“، والعمل عبر الشبكة السودانية للحد من انتشار المرض ومنع انتقاله من الأم للجنين، وهي محطة عمقت إيماني بكرامة الإنسان وحقه في الرعاية مهما كانت الظروف.

​في عام 2016، بدأت فصلاً جديداً مع جمعية تنظيم الأسرة السودانية، منسقاً لمشروع مناهضة ختان الإناث، ثم مسؤولاً عن الشراكات، وصولاً إلى تكليفي مديراً تنفيذياً للجمعية بولاية الجزيرة في عام 2023. لم يمر سوى شهرين على هذا التكليف حتى اندلعت الحرب في الخرطوم، ليجد أهلنا أنفسهم نازحين نحو الجزيرة. كان اختباراً قاسياً، وضعت فيه كل خبراتي على المحك لتسيير العيادات المتنقلة والفرق الجوالة وتقديم الدعم النفسي وسط أمواج النزوح المتلاطمة.

​وحتى حين توغلت الحرب في قلب الجزيرة وانتقلنا إلى العاصمة الإدارية “المناقل“، لم يتوقف نبض العطاء. أدرنا العمل من المناقل والقرشي، وكانت “القابلات” هنّ بطلات هذه المرحلة، حيث لعبن دوراً مفصلياً في استمرار الخدمات الصحية بالمجتمعات المحلية. وبفضل الله، كانت جمعيتنا أول منظمة تدخل المناطق المحررة، فقدمنا خدماتنا في “مدني” و”الحصاحيصا” و”تمبول“، لنرمم ما هدمته الحرب في نفوس الناس وأجسادهم.

​لم نكتفِ بالدعم العابر، بل عملنا على استدامة الخدمة بتأهيل مستشفيات النساء والتوليد بمدني، ودعم العمليات القيصرية بالتعاون مع صندوق الأمم المتحدة للسكان، وتوفير الأدوية بالاشتراك مع منظمة الصحة العالمية. واليوم، نواصل المسيرة بترميم وتشغيل خمسة مستشفيات كبرى في الشكينيبة ودار نايل والرفاعة والحوش والمناقل، وتجهيز مراكز متكاملة للصحة الإنجابية ومساحات آمنة للنساء، مع التركيز على قضايا العنف المبني على النوع الاجتماعي وتدريب الكوادر لمواجهته.

​هذه المحطات، من “كنانة” التسعينيات إلى مراكز النزوح اليوم، ليست مجرد سيرة ذاتية، بل هي صياغة لإنسان نذر نفسه لخدمة أهله في السودان. وما ذكرته ليس إلا غيض من فيض لمسيرة لا تزال تنبض بالأمل، متطلعاً لأن يكون القادم أكثر إشراقاً وعطاءً بإذن الله.

Seafr Alinsania

(سِفر الإنسانية) ، صحيفة للخير والعطاء دون رياء ، (سِفر الإنسانية) ، آيادي تمتد لتمسح دمعة الحزن علي الوجوه الكالحة ، (سِفر الإنسانية) ، آيادي تربت علي المحزون والموجوع ، (سِفر الإنسانية) ، لوحة ترسم معالم العطاء علي وجه الحياة ،(سِفر الإنسانية) بطاقة دخول لعالم الخير ..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى