عهدٌ يتجدد في كنف العائلة: مسيرة عطاء لا تنتهي تحت راية الهلال الأحمر
بقلم : واصله عباس
لم يكن انضمامي لجمعية الهلال الأحمر السوداني قبل أكثر من ربع قرن مجرد خطوة عابرة في مساري التطوعي، بل كان ميلاداً ثانياً ومحطة فاصلة أعادت صياغة تكويني الإنساني. خمسة وعشرون عاماً ونيف، قضيتها تفصيلاً بتفصيل في أروقة هذه الجمعية العريقة، تعلمت خلالها أن العطاء الحقيقي لا يحتاج إلى مقابل، وأن أجمل لحظات العمر هي تلك التي نمنح فيها الأمل لمن فقدوه، ونجبر فيها كسراً لأخٍ لم تلده أمهاتنا.
على مدار عقود من العطاء، نهلتُ من معين الخير الذي لا ينضب، وتدربتُ في ميادين البذل على نكران الذات، حتى صار همُّ الآخرين هو همّي الشاخص، وراحتهم هي غايتي الأسمى. هذه التجربة الممتدة عبر السنين لم تكن مجرد ميدان للعمل الإنساني الشاق؛ بل كانت مدرسة صقلت روحي، ووقوداً زادني قوةً وصلابة في مواجهة أصعب الظروف. لقد منحتني هذه المسيرة “عزوة” حقيقية وسنداً لا يلين، بوجودي وسط زملاء وأخوة تقاسمت معهم الخبز والأمل والدموع، رجال ونساء لا يكلّون ولا يملّون من نسج خيوط النور وسط عتمة الأزمات.
اليوم، وفي غمرة احتفالنا باليوم العالمي للحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر، لا أقف لأسترجع ذكريات ربع قرنٍ مضى كصفحاتٍ طُويت؛ بل أقف بقلبٍ يتقد شغفاً لأجدد عهداً قطعته على نفسي منذ الخطوة الأولى. عهدٌ بأن أظل جندياً مخلصاً لمبادئنا السبعة الأساسية، وفياً لقيمنا الإنسانية المشتركة، ودافعاً لعجلات الخير ما حييت. ورغم تراكم السنوات وعظم التحديات، لا زلت أحمل في داخلي إصرار البدايات ذاته، وحرصاً لا ينطفئ على مواصلة هذا الدرب بنفس العزيمة والثبات، مؤمنةً بأن مسيرة العطاء لا تشيخ، وأن في جعبتي الكثير لأقدمه مجدداً في كنف هذه العائلة.
”إن التطوع في الهلال الأحمر ليس مجرد محطة زمنية تعبر في حياتنا، بل هو هوية محفورة في الوجدان، ونبضٌ إنساني يستمر ما دامت في الصدور أنفاس.”
وإنني بهذه المناسبة، أبعث بفيضٍ من مشاعر الشكر، والتقدير، والمحبة الخالصة، معبرةً عن بالغ اعتزازي وفخري بكوني جزءاً لا يتجزأ من هذه العائلة العظيمة—عائلة الهلال الأحمر السوداني المعطاءة. فخورة بكل قطرة عرق ذرفتها في الميدان، وبكل خطوة مشيتها تحت هذه الراية البيضاء التي تحمل هلالاً يبعث الدفء والأمان في قلوب المتعبين.
شكراً لهذه المدرسة الاستثنائية التي علمتني على مدار ربع قرن كيف أكون إنساناً، وعهداً قطعناه معاً… أن نبقى نغرس الأمل ونحمي الحياة ما حيينا.




