قٌصاصات تطوعية

​من هندسة المباني إلى هندسة الأمل: حكاية المتطوعة مهندس “ملكة” في دروب النزوح

ترويها : م. ملكة ابشر حامد

لم تكن “الخوذة البيضاء” أو خرائط الإنشاءات هي ما يشغل بالي انا المهندسة “ملكة أبشر” حين غادرت الخرطوم مجبرة، بل كان شيئاً أعمق يتشكل في وجداني هندسة من نوع آخر.. هي هندسة الأرواح والقلوب.

​بدأت الحكاية من “ود مدني“. هناك، وفي زحمة البحث عن مأوى، التقيت  بطفلٍ صغير يسكن دار الإذاعة. بكلمات بسيطة وسؤالٍ عفوي: “يا خالة، إنتِ جاية تدينا حاجة؟”، غيّر هذا الصغير مسار حياتي. رأيت في عينيه انعكاس صورتي كعاملة إغاثة قبل أن اصبح واحدة منها فعلياً. وعدته بالعودة، لكن طبول الحرب في الجزيرة كانت أسرع من خطوتها، لتبدأ رحلة نزوح ثانية، بقلبٍ مثقل بـ”وعدٍ لم يكتمل”.

​تحت أزيز الرصاص وقسوة الطريق، تحول “البوكسي” الذي استقله مع زوجي و”عربة الثلاجة” التي يقودها ابن أختي، إلى سفن نوحٍ حقيقية. لم تكن العربة تحمل بضائع، بل كانت تضج بالحياة؛ أطفال، نساء، وكبار سن، جُمعوا من قارعة الطريق بلا سابق معرفة، يجمعهم قدر واحد ووجهة مجهولة نحو “القضارف“.

​ “كنت أنظر للجموع النازحة وأتساءل بمرارة المهندس: أين سيسكن كل هؤلاء؟ كيف سيأكلون؟”. لكن الإجابة لم تأتِ من المخططات الهندسية، بل جاءت من تراب القرى السودانية البسيطة.

​في “ود العباس“، “ود الحداد“، و”شلعوها الخوالدة“، تلاشت ملامح الحرب أمام بشاشة الوجوه والكرم الأسطوري. هناك، حيث يهرع الرجال بالماء والعصير قبل أن تتوقف المحركات، وحيث تُذبح الذبائح للغرباء وكأنهم أهل الدار. في تلك القرى، تعلمت انا ملكة أن “المأوى” ليس جدراناً وأسقفاً، بل هو ذلك الاحتضان الذي يجعلك تنسى أنك “نازح”.

عشرون قرية مررت بها، لكن “ود العباس” وأخواتها حُفرت في ذاكرتي كاستراحة محارب، وكدرسٍ بليغ في الإنسانية. رحلتي التي بدأت ببحث عن الأمان، انتهت بيقينٍ جديد: أن هندسة المجتمع تبدأ من “جبر الخواطر”، وأن العمل الطوعي ليس مهنة، بل هو نداء قلب لا يهدأ حتى يفي بكل الوعود.. حتى تلك التي ظنت أنها تأخرت عنها.

Seafr Alinsania

(سِفر الإنسانية) ، صحيفة للخير والعطاء دون رياء ، (سِفر الإنسانية) ، آيادي تمتد لتمسح دمعة الحزن علي الوجوه الكالحة ، (سِفر الإنسانية) ، آيادي تربت علي المحزون والموجوع ، (سِفر الإنسانية) ، لوحة ترسم معالم العطاء علي وجه الحياة ،(سِفر الإنسانية) بطاقة دخول لعالم الخير ..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى