من وخزة ألم إلى بلسم شفاء: رحلتي في رحاب الهلال الأحمر.
قصاصات تطوعية يرويها :المتطوع خالد الرضي محمود

في عام 1992، كانت “الفتيحاب” لا تزال تخطو خطواتها الأولى؛ المربع 15 الذي انتقلت إليه من مسقط رأسي بـ “حي الضباط” كان هادئاً إلى حد العزلة، والخدمات فيه تكاد تكون معدومة. لا كهرباء تضيء ليلنا، ولا ماء يقترب من متناول اليد، أما الصحة فكانت تذكرة سفر مشياً على الأقدام حتى المربع 8.
في تلك الأجواء القاسية، داهمت الملاريا جسد والدي -عليه رحمة الله-. لا زلت أذكر تلك الليلة الثقيلة، والساعة تشير إلى الثانية صباحاً.. كان موعد جرعة الحقنة المقررة له، وكنت أقف عاجزاً، يقتلني الألم وأنا أرى والدي يتوجع ولا يوجد في المربع كادر طبي أو حتى متطوع يجيد إعطاء حقنة. في تلك اللحظة، وأنا طالب في أولى ثانوي، ولدت بداخلي رغبة عارمة: “لن أقف مكتوف الأيدي أمام مرض أحب الناس إليّ مرة أخرى”.
وكأن القدر كان يرقب إصراري، فبينما كنت أسير يوماً من المربع 15 إلى المربع 8، وقعت عيناي على إعلان غير مجرى حياتي: “كورس إسعافات أولية من الهلال الأحمر السوداني”. لم أتردد لحظة، كنت أول المسجلين في “وحدة الإنسانية” بالمربع 16، وهناك تشربت مبادئ الهلال الأحمر التي لا تعرف لوناً ولا جنساً ولا سياسة.
بعد التخرج، لم تكن الشهادة غايتي، بل الخدمة. وبفضل الله ثم مساندة إخوة أعزاء في الحي، نجحنا في تأسيس أول مركز لجمعية الهلال الأحمر في المربع 15، وأطلقنا عليها “وحدة المنارة“. كانت اسماً على مسمى؛ انطلقت منها حملات النظافة، والليالي الثقيلة التي مزجت بين الوعي الصحي والثقافة، حتى صار الهلال الأحمر جزءاً من هوية كل بيت في المربع.
من المواقف التي حفرت في وجداني، قصة متطوعة كانت شعلة من النشاط، ثم انقطعت فجأة. وحين وصلني خطابها عبر شقيقها الصغير تخبرني فيه بقرار والدها بمنعها من الحضور ظناً منه أن العمل التطوعي “مجرد اختلاط”، لم أستسلم. قصدت والدها في المسجد بعد صلاة المغرب، ودار بيننا حوار هادئ، صادق، ونابع من قيمنا السودانية الأصيلة، حتى اقتنع تماماً. وفي اليوم التالي، كانت المفاجأة حين زارها أفراد الوحدة في منزلها؛ رأيت دموع الفرح في عينيها، ومنذ ذلك اليوم أصبحتُ فرداً من تلك الأسرة الكريمة. والمفارقة الجميلة أنها تزوجت لاحقاً من متطوع معنا، وأسميا ابنهما “خالد”، تيمناً بتلك المسيرة.
يا أختي العزيزة واصلة، كم أتوق لعودة ذلك الزمن الجميل، حيث العطاء بلا مقابل والمحبة بلا حدود. الهلال الأحمر لم يكن مجرد جمعية، بل مدرسة علمتنا أن نكون عوناً للمحتاج وسنداً للوطن.
واليوم، وأنا أرى ابنتي “وعد” تخطو خطاي كمتطوعة في “وحدة كرري”، وقد أتقنت فنون الإسعافات الأولية، أشعر بأن الراية لم تسقط، وأن غرس الخير الذي بدأ بوخزة ألم في عام 1992، قد أينع ثماراً ستظل تخدم هذا البلد ما حيينا.


