قٌصاصات تطوعية

​بين الرصاص والرفات: ثلاثون عاماً تحت راية “الهلال”

​بقلم المتطوع: الطيب عز الدين الباشري

 

 

 

بسم الله، والحمد لله الذي سخرنا لخدمة عباده، والصلاة والسلام على نبي الرحمة..

​أنا الطيب عز الدين الباشري، ابن ولاية الجزيرة، وتحديداً “وحدة سكر الجنيد“. حين أنظر إلى الخلف، أجد خلفي قرابة الثلاثين عاماً من العطاء (منذ عام 1996) في أروقة الهلال الأحمر السوداني. لم تكن مجرد سنوات تمر، بل كانت عمراً طويلاً عريضاً، تقلبت فيه بين المناصب والمهام، من المحلية إلى الولاية، لكنني ظللت دائماً أحمل قلباً لم يتغير: قلب المتطوع الذي يرى في إغاثة الملهوف أسمى غايات الوجود.

​لقد طفتُ معظم أرجاء سوداننا الحبيب، وكنتُ شاهداً على مراحل الهلال الأحمر المختلفة، أؤدي رسالتي تجاه الفئات الأكثر ضعفاً. ولكن، تظل التجربة الأخيرة هي الأصعب والأعمق أثراً؛ تلك الأيام التي اشتعلت فيها نيران الحرب في الخرطوم، فكنا في الخطوط الأمامية لاستقبال النازحين في مراكز الإيواء.

​في حضرة الألم والكرامة :

أذكر أسرةً لن تمحى من ذاكرتي؛ أبناء جميعهم يعانون من إعاقات جينية وراثية. كانوا نموذجاً للتعفف والكرامة، تركوا خلفهم حياتهم المستقرة في الخرطوم ووصلوا إلينا في الجزيرة بلا زاد. لم يجدوا أمامهم سوى “سيارة الهلال الأحمر”، فكانت لهم الملاذ. بفضل الله، قدمنا لهم كل الممكن، واقتحمنا من أجلهم أسوار المستحيل.

​الصمود في وجه العاصفة

ثم دارت الدوائر، وانتقلت الحرب إلى قلب الجزيرة. نزح الكثيرون، لكن “الشخص الضعيف” (كما أسمي نفسي دوماً أمام عظمة المهمة) اختار البقاء في “مصنع سكر الجنيد”. بقيتُ أقدم يد العون رغم المعاناة، ورغم ما تعرضتُ له من اعتقال، وضرب، وإهانة، وتعذيب على يد المتمردين، شأني شأن كل من اختار أن يحمل راية التطوع في زمن الخوف.

​كنا في شرق الجزيرة نعاني الأمرين؛ غابت الكوادر الطبية تماماً، فكان متطوعو الهلال الأحمر هم “خط الدفاع الوحيد”. تصديتُ مع إخوتي لكل المشاكل الصحية التي واجهت المواطنين، خاصة الأطفال، في تحدٍ كبّرته الحرب وذللته العزيمة.

​دروس الموت والحياة

من أقسى المواقف التي هزت وجداني كانت إدارة “الرفات والدفن الآمن”. لقد اعتدنا دفن الموتى بكرامة، لكن الحرب أجبرتنا على تحديات تفوق الوصف؛ حيث قمنا بنبش قبور وإعادة دفن الجثامين في مناطق آمنة.. كان اختباراً إنسانياً ونفسياً لا يقوى عليه إلا من امتلأ قلبه بروح العطاء.

​عيادات الأمل

لم يتوقف عطاؤنا عند هذا الحد، بل أطلقنا برنامج “العيادات الجوالة المجانية” في شرق الجزيرة، بدعم كريم من الصليب الأحمر النرويجي وبالتعاون مع الشؤون الصحية بالمحلية. وصلنا إلى مناطق معزولة كان الهلال الأحمر هو أول من يطرق أبوابها ببلسم الشفاء، فكانت تجربة مميزة نجحنا فيها في الوصول لأكبر قدر من المحتاجين.

 

​ختاماً..

أقولها وبكل فخر: أنا ممتن لانتمائي لهذه الجمعية العريقة. ولو عاد بي الزمن ألف مرة، لن أختار سوى “الهلال الأحمر السوداني”. تلك الروح التي تعلمناها، روح البذل بلا مقابل، هي التي جعلتنا نأخذ بأيدي المستضعفين من الرجال والنساء والولدان، لنعبر بهم وسط أمواج الحرب المتلاطمة إلى بر الأمان.

​ما زال في العمر بقية، وما زال في القلب حبٌ للعطاء لا ينضب.. شكراً لكل من ساندنا، وشكراً لكل يدٍ امتدت لتمسح دمعة مكلوم.

Seafr Alinsania

(سِفر الإنسانية) ، صحيفة للخير والعطاء دون رياء ، (سِفر الإنسانية) ، آيادي تمتد لتمسح دمعة الحزن علي الوجوه الكالحة ، (سِفر الإنسانية) ، آيادي تربت علي المحزون والموجوع ، (سِفر الإنسانية) ، لوحة ترسم معالم العطاء علي وجه الحياة ،(سِفر الإنسانية) بطاقة دخول لعالم الخير ..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى