بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على رسول الله الكريم. بدأت رحلتي ليس كخطة مدروسة، بل كاستجابة لنداء خفي وجدته بين أروقة العمل الصحي؛ هناك حيث يطرق المرض الأبواب، وحيث تقف الحاجة عائقاً أمام أبسط الحقوق وهو الدواء. وجدتُ نفسي أمام وجوهٍ أتت تنشد الشفاء ولا تملك ثمنه، ومن هنا انطلقت شرارة عملي التطوعي الأولى. بدأت بمحاولات فردية بسيطة، أقتطع حيناً من رزقي، وأستعين أحياناً بأهل الخير الذين لا يسعني إلا أن أشكرهم بعمق، فقد كانوا السند حين قالوا لي “كلما أتاكِ محتاج فنحن هنا”. كبرت الدائرة من شخص إلى ثلاثة إلى أربعة، حتى وجدتُ أن هناك من بات يعتمد عليّ كلياً، ولم يعد الأمر مقتصرًا على الدواء، بل امتد ليشمل الملابس والاحتياجات المعيشية الأخرى.
هذه التجربة قادتني لتدشين مبادرة “للخير“، والتي ولدت بمحض الصدفة حين رأيت عائلات تعجز عن توفير المواد التموينية. ذهبت لمن أثق في كرمهم، وبدأ العطاء يكبر يوماً بعد يوم، فشجعوني بصدقهم الذي لا يُنسى. وتعمقت هذه الروح أكثر من خلال تجربتي مع الهلال الأحمر السوداني، حيث عشقت العمل التطوعي معهم لدرجة أنني أصبحت أسابق للمشاركة في أي جهد إنساني قبل حتى أن أعرف تفاصيله. إنني أؤمن اليوم بأن كل إنسان يجب أن يحمل في داخله روحاً تطوعية، فلو أدرك المرء المعنى الحقيقي لما يقدمه، لشعر بضرورة لا غنى عنها لهذا العطاء الذي لا يمليه عليك أحد، بل ينبع كعاطفة جياشة من أعماق القلب، تدفعك للعمل دون تفكير، ولا تدرك عظمة ما فعلته إلا بعد أن تنتهي منه.
لذا، فإن رسالتي لكل من يريد أن يطرق هذا الباب هي أن يبدأ من محيطه الصغير، من الحي الذي يسكن فيه، فالتأسيس في “الحي” هو القاعدة المتينة قبل الانطلاق نحو المؤسسات الكبرى. إن التطوع ليس مجرد خدمة تقدمها، بل هو جسر للمحبة والإخاء يبنى بينك وبين أشخاص قد لا تعرفهم ولا تربطك بهم صلة قربى، لكنه يزرع فيك حب الغير قبل حتى أن تراهم. التطوع هو قوة تكسر الحواجز، وإذا أردت أن تفهمه حقاً، فانخرط في خدمة الناس، وحين تنجز مهمتك ستكتشف أنك قدمت شيئاً لا تعرف كيف بدأ ولا كيف انتهى، لكنك ستشعر بأثره العظيم في روحك. أناشد الجميع أن يعيشوا روح التطوع أولاً، فهو الركيزة الأساسية لبناء العلاقات الإنسانية والمهنية والأسرية، فبالتطوع وحده نحيا ونبني.



