سيدة “الإرواء” وأيقونة الهلال الأحمر.. سمية عبدالله تفتح خزانة ذكرياتها لـ “سفِر الإنسانية “
القاهرة :سفِر الإنسانية

”دم الهلال الأحمر يجري في عروقي.. وعرفتُ (واصلة) ببوصلة الروح قبل اللقاء”

مقدمة الحوار:
هي ليست مجرد ممرضة أو مدربة، بل هي “حارسة حياة” نذرت عمرها لإنقاذ أطفال السودان من براثن الأوبئة. حين تتحدث الأستاذة سمية عبدالله إبراهيم عبدالسلام، لا تسمع مجرد كلمات، بل تسمع نبضات قلبٍ خفق لسنوات تحت شعار الهلال الأحمر. في هذا الحوار الحصري، تأخذنا “مكافِحة الإسهالات” في رحلة عبر الزمن، لتروي قصة الوفاء لمبادئ العمل التطوعي، وكيف أن “إحساس الدم” قادها للتعرف على المتطوعة واصلة عباس، كأن أرواحهما كانت على ميعادٍ قديم في سوح العطاء.
• الأستاذة سمية، دعيني أبدأ من تلك اللحظة الوجدانية.. كيف تعرفتي علي بعد رغم السنوات ؟ وكأنكِ كنتِ تعرفينها منذ زمن؟
نعم، وبإحساسي الصادق، وبـ “إحساس دم الهلال الأحمر” الذي يسري في جسدي، عرفتك قبل أن أجالسك. كنت أسمع بالاسم يتردد في آفاق العمل الطوعي، لكنني حين رأيتك شعرت وكأنني “عاصرتك” منذ البداية. نحن جيلٌ ربطتنا المبادئ قبل الوجوه، جمعنا العمل مع الراحلين المقيمين محجوب سلطان وأبو السعود –وكابتن سكر وحيدر الطاهر وعثمان صديق تقبلهم الله – وعفاف أحمد يحيى، وتلك الكوكبة التي افتقدنا الكثير منها لكن أثرهم باقٍ.
• ارتبط اسمكِ بمستشفى محمد الأمين حامد للأطفال وبحربكِ الضروس ضد أمراض الإسهالات.. احكي لنا عن تلك الحقبة؟
حياتي كلها كانت في “تغذية الأطفال” وبرامج الرعاية الصحية الأولية. كنت أعمل في مستشفى أطفال أم درمان (السنتر)، وهناك كنت بمثابة “العين الساهرة“. تخصصت في “مركز الإرواء” لمكافحة فقدان السوائل، وكنت أؤمن أن التدريب العملي هو المكمل الحقيقي للدراسة النظرية. الممرضات في ذلك الوقت لم يكنّ يدركن تماماً قيمة “متطوع الهلال الأحمر”، فكنت أفرض نفسي وخبرتي غصباً عن أي عين، لا طلباً لشهرة أو جاه، بل لضمان أن المتطوع الذي يتدرب تحت يدي يخرج “ناجحاً” يحمل المعلومة الصحيحة لينقذ طفلاً في أطراف المجتمع.
• كنتِ صارمة جداً في اختبار المتطوعين.. لماذا كل هذا التشدد؟
(تبتسم) لأن الخطأ في حياة الطفل لا يُغتفر. كنت أراقب المتطوعين من بعيد، وأسألهم: “من درسكم نظرياً؟“. كنت أختبر المدرب قبل المتطوع. كان يؤلمني أن يأتي مدربون يلقون بالطلبة في ردهات المستشفى ويتركونهم دون توجيه عملي. كنت أقول لهم: “المتطوع ليس طبيباً معالجاً، هو مسعف أولي، وعليه أن يفهم علامات الجفاف في عين الطفل وجلده بدقة”. كنت أحارب لأجل “المعلومة الصح”، لأن هدفنا السامي كان إنقاذ الطفل في مجتمعه قبل أن يصل لمرحلة الخطر.
• تعود بنا الذاكرة لعام 1992.. ماذا حدث لسنتر الهلال الأحمر في ذلك الوقت؟
في ذلك العام، وللأسف، فقدنا “السنتر” بسبب مشاكل بسيطة، لكن الهلال الأحمر لم يخرج من قلوبنا أبداً. انتقلنا للعمل في محافظة “مبدة” مع الأخ “أريد جهاد”، وواصلت مسيرتي في الرعاية الصحية والتغذية. تنقلت بين المحليات والوحدات، ورجعت لمستشفى محمد الأمين حامد، وظللت أعتبر نفسي “الأم الروحية” لكل متطوع يدخل هذا الصرح، فكنت أعرفهم من مشيتهم، وأقف على تدريبهم بنفسي لضمان كفاءة المؤسسة التي أنتمي إليها.
• ذكرتِ أسماءً محفورة في تاريخ أم درمان.. الهاشماب، العباسية، وجيل الرواد.. من هم رفاق التأسيس؟
نحن أبناء “فرع أم درمان“، ذلك السنتر الذي انطلقت منه المجموعة الذهبية. أتذكر محجوب سلطان، وأبو السعود، والجيل الذي تمدد في الهاشماب والعباسية شرق. أسماء مثل ، بهاء سطيح، صلاح سطيح، سموزة، وهدية هارون،عادل التنقور، وسوسن محمد الحسن.، صالح عبدالرحمن، كنا “لجنة تنفيذية” تعمل بروح الفريق، لا رئيس بيننا، بل الكل متطوع لخدمة الناس. بالرغم من أن المحافظة كانت ترأس السنتر رسمياً، إلا أن القوة كانت فينا كمتطوعين لا نكل ولا نمل.
• كلمة أخيرة توجهينها للجيل الجديد من متطوعي الهلال الأحمر؟
أقول لهم: الهلال الأحمر ليس “لبس سترة” أو وجاهة اجتماعية، بل هو “المبادئ السبعة” التي يجب أن تتوغل في دمكم. تعلّموا بصدق، فالإسعاف الأولي هو أمانة في أعناقكم. وكما بدأتُ مع عم محجوب سلطان في “المستوصف الهولندي” ومع نانسي قنقر، أتمنى أن يظل هذا الإرث مستمراً، فإحساس الدم لا يموت، والخدمة الإنسانية هي الباقية.
من الصحيفة :
بين غرف “مركز الإرواء” وأزقة أم درمان العريقة، تظل الأستاذة سمية عبدالله رمزاً للمرأة السودانية التي لم تكتفِ بالوظيفة، بل جعلت من “التطوع” عقيدة حياة. افترقنا وصوتها لا يزال يتردد: “أنا بعرف نفسي طوالي بينهم.. لأن دم الهلال الأحمر ما راح مني”.


