
”لم تكن البداية مجرد رغبة عابرة، بل كانت ميلاداً جديداً لذاتي في العام 1988. أذكر تلك الأيام جيداً حين خطوت أولى خطواتي نحو جمعية الهلال الأحمر السوداني، مدفوعاً بشغف التعلم لألتحق بكورس الإسعافات الأولية. كانت أختنا العزيزة زينب – جزاها الله خيراً – هي من أشرفت على تدريبنا في تلك الحقبة، حين كانت الخرطوم تُدار بنظام المحافظات الأربع: (بحري، الخرطوم، أم درمان، وجبل أولياء).
منذ ذلك الحين، سرى حب الهلال الأحمر في دمي وعروقي، لم يعد مجرد عمل أقوم به، بل أصبح جزءاً من تكويني البيولوجي. تدرجتُ في دروب الرعاية الصحية الأولية، وانتقلت من متطوع يافع إلى مسؤول تدريب في محلية بحري، ثم إلى مكتب الإشراف. أذكر رفاق الدرب الذين تقاسمنا معهم الملح والعمل؛ واصله عباس، ونصر الدين فضل المولى في كرري، والمصطفى في الخرطوم.. أسماء قد تخونني الذاكرة في حصرها، لكن بصماتهم محفورة في وجدان الوطن.
كنا نعمل لوجه الله تعالى، لا نبتغي جزاءً ولا شكراً. أذكر حملات الرش والنظافة، وكيف كنا نبتكر الحلول البسيطة والفعالة لمكافحة البعوض الناقل للملاريا؛ كنا نجمع (زيت الراجع) من ورش العربات، ونضعه في أكياس نايلون ونقذف بها في المياه الراكدة لتشكل طبقة عازلة تمنع توالد البعوض. كانت تلك وسيلتنا العبقرية والمتواضعة لحماية أهلنا، ولا زلت أؤمن بجدواها حتى اليوم.
اليوم، وأنا أجلس في مقعد اللجنة المركزية لجمعية الهلال الأحمر السوداني، أدرك تماماً أن هذا الموقع تكليف لا تشريف. هو عبء ثقيل ومسؤولية أمام الله وأمام آلاف المتطوعين في كل شبر من أرض السودان. ورغم هذا المنصب، لو رأيتُ اليوم مجموعة تنظف شارعاً أو ترش بؤرة توالد، سأكون أول من يمسك بالمكنسة أو آلة الرش، فالمناصب لا تغير جوهر المتطوع.
إن المتطوعين هم رأس مال هذه الجمعية، وهم “رأس الرمح” في كل عمل إنساني. أتحدى أي منظمة أخرى أن تملك رصيداً من القلوب النابضة بالتطوع كما يملك الهلال الأحمر السوداني. هذا هو شرفنا العظيم، وسنظل نخدم هذا الكيان، ونبذل أرواحنا من أجله، حتى يدركنا الموت ونحن على ثغرة العطاء.”



