تقارير إخبارية
أخر الأخبار
ظاهرة “العودة العكسية” للسودان (2024-2025).. قراءة في الأرقام، الدوافع، وخارطة الاستقرار
تقرير : سفِر الإنسانية
مقدمة: التحول في مسار النزوح
بعد مرور أكثر من عامين على اندلاع الصراع في أبريل 2023، يشهد المشهد السوداني تحولاً دراماتيكياً في حركة السكان. فبينما كان العالم يراقب موجات اللجوء “الخارجة”، بدأت في العامين الأخيرين موجة “عودة” ضخمة عكست رغبة السودانيين في استعادة حياتهم رغم جراح الحرب.
أولاً: لغة الأرقام والممرات الحدودية
سجلت الإحصائيات الرسمية الدولية عودة ما يقرب من 530,000 سوداني من دول الجوار في غضون عامين فقط، وتوزعت هذه الكتل البشرية عبر معابر استراتيجية أصبحت شريان الحياة الجديد.
المسار الشمالي (بوابة مصر):
استأثر بنسبة 89% من إجمالي العائدين عبر معبري (أرقين وأشكيت) بالولاية الشمالية.
يُعزى ذلك إلى الكثافة العالية للاجئين السودانيين في مصر، والارتباط الجغرافي السهل عبر النقل البري.
المسار الغربي (بوابة تشاد):
ساهم بنسبة 11% عبر نقاط (أديكونق، أم دخن، والطينة).
تتسم العودة هنا بطابع “العودة القسرية” أحياناً بسبب شح الموارد في المخيمات، أو “العودة الطوعية” نتيجة استتباب نسبي للأمن في بعض محليات دارفور.
المسار الشرقي (بوابة إثيوبيا):
رغم استقرار الأوضاع في القضارف، إلا أن نسبة العائدين عبر (القلابات-المتمة) ظلت دون الـ 1%، نتيجة لطبيعة النزوح النوعي في تلك المنطقة.
ثانياً: التحليل السلوكي لدوافع العودة
لماذا يقرر اللاجئ العودة إلى بلد لا يزال في حالة حرب؟ صنف التقرير الدولي الدوافع إلى أربعة محاور رئيسية:
المحور الأمني (41%): رصد العائدون هدوءاً نسبياً في مناطقهم الأصلية (خاصة في الشمال، ونهر النيل، وأجزاء من الخرطوم ودارفور)، مما جعل “خيار العودة” يتفوق على “خيار اللجوء”.
المحور الاقتصادي والقانوني: واجه الكثيرون صعوبات في تجديد الإقامات أو الحصول على تصاريح عمل قانونية في دول الجوار، بالإضافة إلى نفاذ المدخرات المالية وارتفاع تكاليف المعيشة في الخارج.
المحور الاجتماعي: الرغبة في لم شمل الأسر وتفقد الممتلكات العقارية والزراعية قبل ضياعها أو نهبها.
ثالثاً: خارطة الاستقرار الداخلي
لم يعد السودانيون إلى مراكز إيواء مؤقتة، بل كشفت البيانات عن نية حقيقية للاستقرار:
67% عادوا مباشرة إلى منازلهم الأصلية مع البدء في ترميمها.
25% اختاروا النزوح الداخلي الآمن؛ أي العودة للسودان ولكن الاستقرار في ولايات آمنة (مثل البحر الأحمر، الشمالية، ونهر النيل) بدلاً من البقاء كلاجئين في الخارج.
رابعاً: التحديات اللوجستية والإنسانية
رصد التقرير أن رحلة العودة كانت شاقة وغير آمنة في بعض الأحيان:
وسائل النقل: اعتمدت الغالبية العظمى على الحافلات السفرية، لكن 7% اضطروا للعودة عبر “عربات الكارو” أو “سيراً على الأقدام”، مما يعكس حالة الاستنزاف المادي التام قبل اتخاذ قرار العودة.
الخدمات الأساسية: يعود هؤلاء إلى مدن تعاني من انهيار شبه كامل في شبكات الكهرباء والمياه والمستشفيات، مما يضع ضغطاً هائلاً على الإدارات المحلية في الولايات المستضيفة.
خامساً: التوصيات الدولية والمحلية
بناءً على هذه المعطيات، تطالب المنظمات الدولية (الهجرة واللاجئين) بضرورة:
دعم “مناطق العودة“: توجيه الدعم الإنساني والمساعدات الإغاثية إلى الولايات التي سجلت أعلى معدلات عودة لضمان عدم حدوث نزوح عكسي مرة أخرى.

إن عودة أكثر من نصف مليون سوداني في ظل ظروف الحرب هي “شهادة ثقة” شعبية في تراب الوطن، ورسالة واضحة للمجتمع الدولي بأن الحل المستدام للأزمة لا يكمن في مخيمات اللجوء، بل في دعم الاستقرار الداخلي ووقف الحرب لتسهيل عودة الملايين الآخرين الذين ينتظرون خلف الحدود.




