من “الصفر” إلى قيادة القلوب: رحلة داؤود في شريان الهلال الأحمر
رحلة برفقة : داؤود آدم عمر

عندما انضممت لجمعية الهلال الأحمر السوداني بفرع ولاية الجزيرة في عام 2009، كنت، بصدق شديد، “صفر” الخبرة. لم أكن أعلم حينها أن تلك الخطوة ستعيد صياغة شخصيتي من جديد، وأن الشعار الذي أحمله على صدري سيحولني من مجرد شاب يبحث عن دور، إلى إنسان يمتلك مفاتيح الدعم النفسي والإسعافات والقيادة.
أقف اليوم والامتنان يملأ قلبي لقادتي الذين آمنوا بنا، وعلى رأسهم الدكتور أسامة عثمان طلحة، وأخي القذافي صالح حسين (مشرف محلية مدني الكبرى سابقاً ورئيس اللجنة التسييرية بالولاية حالياً). هؤلاء لم يكونوا مجرد مدراء، بل كانوا مدرسة في الصبر والحكمة.
في العمل التطوعي، نمرُّ بلحظات شاقة، نسمع فيها الكلمات الطيبة والكلمات القاسية، لكننا تعلمنا “الصفات التطوعية“؛ كيف نمتص غضب المحتاج، وكيف نصبر حتى نصل بالخدمة لمستحقيها. لا شيء يعادل تلك الابتسامة التي تُرسم على وجه محتاج وأنا أسلمه سلة رمضانية، أو أساهم في “إفطار جماعي“، أو أعمل في برامج الأيتام والعيادات الجوالة. تلك السعادة لا تُشترى، بل تُعاش بالقلب.
الهلال الأحمر لم يطلب منا العرق دون مقابل معرفي؛ فقد فتح لنا أبواباً لم نحلم بها:
تنمية المهارات: من ورش الدعم النفسي والإسعاف الأولي، إلى تتبع المفقودين (الترسين).
التأهيل الذاتي: منحونا كورسات في الحاسوب، اللغة الإنجليزية، وإدارة المختبرات.
القيادة: تعلمت كيف أقود فريقاً من المتطوعين، وكيف أدير توزيع المساعدات واللقاحات بذكاء وصبر.
لقد مررنا بتجارب صعبة، منها وقفتنا مع الأخت عفاف أحمد يحيى، عندما شعرنا بظلم يحيق بالمتطوعين. قمنا بـ “انتفاضة” مهذبة استرددنا بها مكانة المتطوع، لأن الجمعية هي بيتنا، والبيت لا يُبنى بالظلم. واليوم، والحمد لله، عادت الأمور لنصابها، وبقيت اللجنة التسييرية سنداً لنا.
دائماً ما أراقب الناس من حولي، أولئك الذين لا يعرفون عن العمل التطوعي شيئاً. أجذبهم لنشاط واحد أو اثنين، وما إن يذوقوا طعم العطاء حتى أراهم هم من يسألونني: “متى النشاط القادم؟”.
الهلال الأحمر يختلف عن أي منظمة أخرى؛ إنه يصنع منك قائداً. اليوم، أستطيع بكلمة واحدة أو تعامل بسيط أن أميز بين المدير “الموظف” والمدير “المتطوع”. المتطوع أخلاقه عالية، صبور، ويعرف كيف يسير بإخوانه نحو القمة.
لقد بدأتُ من الصفر، واليوم أنا هنا.. لا أعرف أين سأقف غداً، لكنني أعرف أنني سأظل دائماً في خدمة الإنسان.


