نبض الإنسانية: حكايا من دفتر “المُسعف الأول” في أزقة أم درمان
يرويها : المتطوع طارق عثمان
البداية: حين يسرقك الشغف من الفراغ :
لم تكن مجرد صدفة تلك التي قادتني في بدايات التسعينيات إلى أروقة جمعية الهلال الأحمر السوداني بـ “مدرمان”. كنا شباباً يضج بالحيوية، نبحث عن وعاء يستوعب طاقاتنا، فبدأ الأمر كمحاولة “لتمضية وقت الفراغ”. لكن الإنسانية، يا صديقي، فخٌّ نبيل؛ ما إن تضع قدمك فيه حتى يستدرجك الحب لتصبح خادماً للبشر

من “وحدة مدني” انطلقت الرحلة، وبدأت الأدوات البسيطة تتحول إلى معجزات. أتذكر أول طفل أنقذتُ حياته بعد دورة الإسعافات الأولية؛ حينها فقط أدركت أن حقيبة الإسعاف التي أحملها ليست مجرد قماش وأربطة، بل هي “قارب نجاة”.
مدرسة أم درمان: جيل لا يجود الزمان بمثله
تدرجنا في العمل التطوعي حتى احتضنتنا محلية أم درمان. وهناك، التقينا بقممٍ في العطاء، مثل الأستاذة الجليلة واصلة عباس، والأمين العام الأخ الغالي أحمد الفضل. كنا نخبة من الشباب صهرتنا التجارب؛ تلقينا دورات في الإدارة، الإعلام، وإدارة الكوارث، حتى تحولنا من متدربين إلى مدربين ننشر علم الرعاية الصحية الأولية في كل مكان.
لا أنسى تلك الأيام في “المدرسة الطبية الثانوية”، حين كنا نتدرب على إخلاء الجرحى في الميدان مع الرفاق جعفر عدلان ورحاب طه. كنا نجوب شوارع أم درمان “شبراً شبراً”، من حملات التحصين ضد الشلل والسحائي، إلى برنامج “سلامتنا” في المدارس الثانوية، حاملين شعارنا الأثير: “مسعف في كل منزل”.
منارات في الطريق :
في رحلتي، كان هناك “بحرٌ من العلم” نهلنا منه جميعاً، وهو المربي الفاضل الأستاذ بشير مصطفى. كان مرجعيتنا وقائدنا في حملات التحصين الموسع، الرجل الذي علمنا أن الدقة في العمل الإنساني هي جزء من الأمانة. وبجانبه، كانت الأستاذة واصلة عباس تبتكر معنا طرقاً فريدة لنشر الوعي، مستخدمين كل وسيلة ممكنة، من المنشورات إلى الندوات، لنصل بصوت الإنسانية إلى كل قلب.
تحت النفق: اختبار الضمير:
من بين آلاف المواقف، يبرز موقفٌ لا يغادره الذاكرة. كنا عائدين من حملة تحصين، أنا والرفاق الفاتح عبد الله، بهدي مصطفى، دكتور عبد الله الشيخ، ورحاب طه، حين وجدنا مصاباً في حادث سير تحت “نفق أم درمان”. لم نتردد؛ نقلناه للمستشفى، وبقينا معه حتى الصباح. أتذكر كيف تسابقنا لجمع المال من بيوتنا لتغطية تكاليف صوره المقطعية، ورغم أن الموت كان أسرع منا واختطفه، إلا أن ذلك الموقف ظل محفوراً كشاهد على أن المتطوع لا ينتهي دوره بانتهاء ساعات العمل.
في وجه الكارثة: صمود وسط الحرب :
التطوع ليس نزهة، بل هو ثبات في المحن. أتذكر “خيمة الشعلة” على ضفاف النيل لمراقبة الفيضان، وكيف كنا نعمل يداً بيد مع الدفاع المدني. وتعرضنا للمواقف الصعبة، وحتى الضرب، في سبيل أداء المهمة، لكن حب الإنسانية كان دائماً يضمد جراحنا.
وحتى في ظل ظروف الحرب القاسية، لم يتوقف النبض. حين انقطعت المياه، كنا ننظم الصفوف حول الآبار لتوزيع الماء “المالح” و”العذب”. وحين غرق المكان في الظلام، ابتكرنا من المولدات وصلات لشحن الهواتف، وعلّقنا “لمبات” في الشوارع لنكسر حدة الخوف ونقلل من الجريمة. كنا نحارب البعوض والآفات، وننظف الخيران رغم خطر الثعابين، لنعيد للحياة طعمها الطبيعي.
كرامة الشعار :
أختم بموقفٍ لعل الأستاذة واصلة تتذكره جيداً؛ حين أوقفنا حملة كاملة لأن البعض لم يعترف بأهمية “شعار الهلال الأحمر” الذي نرتديه. لم يكن كبرياءً، بل كان دفاعاً عن “هوية المتطوع”. أردناهم أن يعترفوا بأن هذا الشاب الذي يقف أمامهم يقدم روحه وزمنه “دون مقابل”، وأن احترامه هو احترام للقيمة الإنسانية التي يمثلها.
خاتمة:
إن الإنسانية هي ميراث النبي صلى الله عليه وسلم، الذي كان بشراً يمشي في الأسواق ويأكل الطعام ويشعر بآلام الناس. واليوم، رغم كل شيء، ما زلتُ ذلك المتطوع الذي لا يتردد في تركيب “درب” أو إعطاء حقنة، أو توزيع دواء للأمراض المزمنة، لأنني أؤمن أن “سفر الإنسانية” طويل، ولا بد أن نمضي فيه حتى النفس الأخير.



