قٌصاصات تطوعية
أخر الأخبار

وحين جرفت السيول كل شيء… كيف أزهرت الإنسانية في طين “الفتح”؟

​✍️ قصاصات تطوعية يرويها : هاني عمر إبراهيم التوم

​لا تزال رائحة الطين وصدى اندفاع المياه الجارفة في عام 2013 يترددان في ذاكرتي وكأن المشهد ينبض بالداخل للتو؛ يوم استيقظت مدينة “الفتح” على اختبار سماءٍ لم تتوقف عن السكب، وسيولٍ لا ترحم، غمرت الأزقة وابتلعت البيوت وبعثرت ملامح الحياة في غمضة عين.

​في تلك اللحظات الفاصلة بين الخوف والرجاء، كنت هناك… متطوعًا في فريق الطوارئ بجمعية الهلال الأحمر السوداني. لم نملك رفاهية التردد أو التفكير، فكل دقيقة تمر كانت تعني صرخة طفل يفتش عن أمان، أو جسدًا مريضًا ينتظر طوق نجاة، أو أسرة تتشبث بأمل وسط الركام. خضنا في الوحل الذي يثقل الخطى، وعبرنا البحيرات المفاجئة التي غطت الأحياء، ولم يتملكنا التراجع قط؛ فقد كان الدافع الشاخص أمام أعيننا أسمى وأقوى من قسوة المشهد.

​هناك، في قلب الكارثة، لمست المعنى الحقيقي للإنسانية؛ أدركت أنها ليست مجرد طرود إغاثية يُعاد توزيعها، بل هي لمسة يد دافئة في صقيع الفاجعة، وابتسامة طمأنينة تخبر المكلوم بأننا ههنا إلى جواره. رأيت كيف يتعالى المتطوع على تعبه وشقائه، ويضع سلامة الآخرين قبل راحته، ليصنع بأبسط الإمكانيات فارقًا بين اليأس والأمل.

​لقد كانت “الفتح” مدرسة ميدانية تعلّمت في أزقتها الموحلة أن المتطوع الحقيقي لا يُقاس بساعات عمله، بل بعمق الأثر الذي يتركه في قلوب أرهقها الخوف. وعلى الرغم من فداحة الخسائر، فإن تلك الأيام كشفت عن أبهى صور التكافل؛ حيث انصهر المتطوعون والأهالي في جسد واحد، ولغة واحدة هي الرحمة.

​اليوم، وبعد كل هذه الأعوام، ألتفت إلى الوراء بقلبٍ يملؤه الاعتزاز والتآلف مع تلك الذكرى. أشعر بالفخر العظيم لانتمائي لجمعية الهلال الأحمر السوداني التي غرزت في وجداني أن خدمة الإنسان هي أسمى رسالة، وأن شعلة الأمل يمكن لها أن تتوهج من قلب أشد الظروف ظلمة، متى ما أخلصت النوايا وتكاتفت الأيدي.

​✍️ هاني عمر إبراهيم التوم

مدرب ومتطوع بجمعية الهلال الأحمر السوداني

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى