من الألم الى الأمل – معسكر قوز السلام كوستي
بقلم سلمى البشير منسقة ساما للإغاثة الإنسانية في ولاية النيل الأبيض
في قوز السلام، لم يكن المخيم الذي ضم قرابة ستة آلاف نازح مجرد مساحة تؤوي الهاربين من الحرب، بل كان حكاية صبر تُكتب كل يوم بوجوه الناس. جاءوا من أماكن أنهكها العنف، يحمل كلٌ منهم جرحه وحكايته، لكنهم التقوا في مساحة واحدة، حيث ذابت الفوارق، ولم يبقَ ما يجمعهم سوى الإنسانية، شاهدةً على أنه في أقسى الظروف يولد معنى التضامن.
تعلمت هناك أن العمل الإنساني لا يُقاس بعدد الأنشطة ولا بحجم التقارير، بل بقدرتنا على أن نكون حاضرين، حتى حين يثقل الحضور. من خلال تواصلي الدائم مع شركاء ساما المحليين ( كلنا قيم) – و كلهم قيم حقيقةً لا اسماً فقط – بقيادة السيد النذير علي ثلة طيبة من شباب السودان، رأيت كيف يمكن للإنسان أن يتحول إلى سند؛ صبرهم في الميدان كان امتداداً لإيمانٍ عميق بأن النازحين يستحقون أكثر من الحد الأدنى. في أكثر اللحظات قسوة، بقي صوتهم يقول دون كلل “نحن هنا”، لذا أحبهم سكان المخيم، واحتفوا ب(قيم)، كبصيص ضوء في وقتٍ اشتد فيه الظلام عليهم.
ومع غروب الشمس كل يوم .. كانت عربة الوجبة تصل في موعدها المعتاد. مشهد بسيط، لكنه مشبع بالمعنى؛ معلنةً أن هذا اليوم، مهما كان ثقيلاً، لن ينتهي بالجوع. كان الكبار يبتسمون في صمت، يشكرون دون أن ينطقوا، بينما تتهلل وجوه الصغار فرحاً، يركضون خلف العربة و يتبعونها حتى تتوقف، وكأنهم يخشون أن يفوتهم هذا الوعد الصغير بالحياة.
في أحلك الظروف، حين توقفت أيادٍ كثيرة عن العطاء، كانت (ساما) بشراكة ( كلنا قيم ) المنظومة الوحيدة التي استمرت في دعمهم بلا كلل و لا ملل. لم نفعل ذلك لأن الظروف كانت سهلة، بل لأن التخلي لم يكن خياراً. استمررنا لأن قوز السلام لم يكن رقماً في تقرير، بل حياةً كاملة تستحق أن تُصان.
أما عن زياراتي إلى المخيم .. فلم تكن في إطار العمل فقط، بل كانت دروساً كاملة للحياة. في إحداها جلست مع ساكنات المخيم الذي يقطنه نازحو جبل الداير (كردفان) على الأرض، بلا مسافة بيني وبينهم، وتقاسمنا طعام الإفطار في رمضان. رحبت بي النسوة بحفاوة بالغة، واحتوينني بكرمٍ نادر، كرمٌ أدهشني حقاً لأنه من عمق الحوجة؛ فهم رغم النزوح والفقد، لم يتخلّوا عن أطيب ما فيهم.
جلسَتْ سيدة ثمانينة بالقرب مني، كان لها حضورٌ مهيب واحترام خاص، لم تكن تتقن العربية، تحدثَتْ، ولم أفهم كلماتها، لكنني فهمت كل ما أرادت قوله من حفاوتها، من نظراتها، ومن طريقة إمساكها بيدي. أدركت يومها أن بعض الرسائل لا تحتاج إلى لغة، وأن الإنسانية تُقال أحياناً بالصمت.
ربما لم يكن قوز السلام مجرد مخيم، بل صورة مصغّرة لوطنٍ يتعلّم كيف ينهض من تحت الركام. هناك، التقت طرق الخرطوم والجزيرة وكردفان ودارفور، سقطت المسميات، وخفَتَت الفوارق، وبقي الإنسان مجرداً إلا من إنسانيته. في ذلك المكان، فهمت أن السودان، رغم كل ما أصابه، لم يفقد روحه بعد.
من بين الخيام المتلاصقة، ومن وجوهٍ أنهكها الانتظار، كان يولد أملٌ هادئ، لا يرفع صوته، لكنه يصرّ على البقاء قائلاً إن ما يجمعنا اليوم في الألم، قد يجمعنا غداً في التعافي وإعادة البناء.
أن نبقى حين يرحل الآخرون، وأن نحمل العبء حين يثقل، وأن نختار الإنسان لا الظرف .. كانت هذه دائماً قيم (ساما). في هذا الظرف لم نكن نقدم دعماً فقط، بل نحمي معنى التضامن ونؤكد للنازحين أن صمودهم ليس منسياً.
قوز السلام علّمني أن الوطن لا يُختصر في جغرافيا، بل يُبنى في التفاصيل الصغيرة: في عربة وجبة لا تتأخر، في يدٍ تُمسك بي دون أن تسألني من أين جئت، وفي قلوبٍ أنهكها الفقد لكنها لم تفقد قدرتها على العطاء. و استبصرت جلياً في ذلك المكان انه حين تتساوى المعاناة .. تتساوى الإنسانية، وحين نختار أن نبقى معاً .. يصبح الوطن ممكناً من جديد.
كلنا قيم
#سوا_بنقدر




