
استهلال: ملامح من نور
بين شموخ رأسه الذي يحكي قصصاً من الصمود، وبين نبرة صوته التي لم تكسرها السنون، كان الأستاذ صالح عبد الرحمن محمد علي؛ الرجل الذي لم تكن “حقيبة الإسعاف” لديه مجرد أداة عمل، بل كانت “تميمة” أمان يطوف بها القرى والحواضر. في هذا الحوار، لا نستنطق مدرباً فحسب، بل نستحضر ذاكرة جيلٍ آمن بأن يد المتطوع هي أطهر يدٍ على وجه البسيطة.

في أزقة أم درمان القديمة، وتحديداً “البوسطة”، هل كان “النفير” هو المسودة الأولى التي كتبت فيها مسيرة حياتك قبل أن يوقعها الهلال الأحمر؟
نعم، كانت “اللياسة” وترميم البيوت المنهارة تحت المطر هي كليتنا الأولى. لم نكن نعرف مصطلحات كـ “إدارة الكوارث”، لكننا كنا نعيشها بالفطرة. الهلال الأحمر عام 1989 لم يعطني وظيفة، بل أعطى “نفيراً” قديماً في داخلي اسماً وشكلاً ومؤسسية.
الرقم مهيب.. 1680 دورة تدريبية. حين تضع رأسك على الوسادة ليلاً، هل ترى وجوه الآلاف الذين مروا تحت يديك؟
انا أرى السودان كله! أرى طالب الجامعة في الخرطوم، والمرأة في أطراف البلاد، والجندي في الميدان. التدريب بالنسبة لي لم يكن تلقين معلومات، بل كان “نقل عدوى الخير”. 35 عاماً جعلتني أدرك أن المسعف ليس من يوقف النزيف بالضغط، بل من يوقفه بالطمأنينة.

تميزت بتخصص دقيق وهو “ميك آب الإصابات”. أليس من الغريب أن يصنع إنسانٌ جرحاً بيده ليُعلّم الآخرين كيف يداوونه؟
هي “المحاكاة” الصادقة. لن يتعلم المسعف الشجاعة أمام دمية بلاستيكية صامتة. كنت أصنع “الجرح” لأزرع “الثبات” في قلب المتدرب. الإسعاف فن، ولغة الجسد فيه تسبق لغة الشاش والقطن.

يقال إن للمحب نبرة لا تخطئها الأذن. كيف استقبلت نداء المكفوفين لاسمك بعد عامين من الغياب؟
الأستاذ صالح: ذلك النداء كان أرفع وسام نلته. حين صاحوا “أستاذ صالح” دون أن يروني، أدركت أن العطاء له “رائحة” و”وقع خطى” و”نبرة” لا تُنسى. لم يروا وجهي، لكنهم رأوا صدقي.
بعد رحلة طفت بـ 70% من بقاع السودان، ماذا تركت في حقيبة المسعف للجيل القادم؟
الأستاذ صالح: تركت لهم “اليقين”. أقول لشبابنا: الهلال الأحمر ليس قماشاً أحمر على خلفية بيضاء، بل هو دماءٌ حية تجري في عروق الوطن. فخري ليس في المناصب، بل في أنني سأغادر الدنيا وهناك آلاف الأيدي التي “تعرف كيف تنقذ حيوات الناس” بسببي.
خاتمة اللقاء:
خرجنا من حوار الأستاذ صالح ونحن ندرك أن “الإنسانية” ليست شعاراً يُرفع، بل هي “عمرٌ يُبذل”. شكرنا له لا يوفيه حقه، لكن دعوات الملهوفين في فيافي السودان هي جزاؤه الأوفى.



