فارس الإنسانية: رحلة من غرس العطاء إلى قيادة التغيير
قصاصات تطوعية يرويها : سليمان لبشة
في مطلع التسعينيات، وتحديداً في عام 1992، لم أكن أدرك أن الخطوة الأولى التي خطوتها نحو “جمعية الهلال الأحمر السوداني” ستكون بداية لصياغة قدرٍ مختلف، قدرٍ لا يُقاس بالسنوات، بل بحجم الأرواح التي سنسعى لإنقاذها والقلوب التي سنواسيها. بدأت القصة من “لجنة الامتحان” وتحت إشراف مدربين وضعوا فينا اللبنات الأولى للإسعافات الأولية، ومن هناك انطلقت كمتطوع يحمل شغفاً يسبق خبرته، حتى نلت عضوية الجمعية التي أصبحت بيتي ومنطلقي.
كانت أولى المعارك الميدانية الحقيقية في مواجهة الأوبئة، حيث استهدفنا مشروع “كلورة المياه” في مناطق البشير والتكامل. أتذكر جيداً تلك الزيارات المنزلية، طرْق الأبواب بيتاً بيتاً، والحديث المباشر مع الأهالي عن التوعية الصحية وتنقية المياه. لم تكن مجرد توجيهات، بل كانت معركة وعي لحماية الأطفال والأسر من شبح الأمراض. ومع مرور السنوات، صقلتني التجارب؛ فانتقلت من التوعية الميدانية في أزقة “الحاج يوسف” وشرق النيل إلى المشاركة في التغطيات الإسعافية الكبرى للميادين واللقاءات الجماهيرية، والتحقت ببرامج مكافحة الإيدز والأمراض المنقولة، حيث كان التواصل المباشر هو أداتنا الأقوى لتغيير المفاهيم.
جاء عام 2008 حاملاً معه تحديات الفيضانات والسيول، وهناك نضجت تجربتي الإدارية والفنية. انتقلت من مرحلة المتدرب إلى مساعد مدرب، ثم مدرباً معتمداً في الإسعافات الأولية والرعاية الصحية والتمريض المنزلي. لم أكتفِ بالجانب النظري، بل خضت غمار التطبيق العملي في أقسام الجراحة والعظام، أتعامل مع الجروح والكسور، وأدركت حينها أن يد المتطوع هي الجسر بين الألم والأمل.
لم تكن رحلتي محصورة في العاصمة، بل امتدت لتشمل ربوع السودان. لن أنسى تلك الرحلة التاريخية إلى “وسط جبل مرة” ضمن مشروع إعمار دارفور عام 2016. كانت رحلة شاقة بدأت من مطار الخرطوم وصولاً إلى الجنينة، ومنها براً إلى زالنجي، وصولاً إلى “محلية قولو” في قلب الجبل. قضينا هناك أياماً وليالٍ وسط أهلنا، ندرب ونؤهل الكوادر المحلية، حيث نجحنا في تخريج مئات الدارسين والمدربين في الإسعافات الأولية والرعاية الصحية، في ظروف استثنائية لم تزدنا إلا إصراراً.
تدرجت في العمل التطوعي من الجانب الفني إلى الإشراف الإداري، حيث نلت ثقة زملائي بالانتخاب مشرفاً لمحلية شرق النيل لدورتين متتاليتين. خلال تلك الفترة، شهدت ولادة وحدات تطوعية جديدة، كوحدة “عد بابكر” التي ولدت قوية بمبادراتها، وساهمت في وضع خارطة طريق للعمل الإنساني في المنطقة. كما لم يغب الجانب الإعلامي عن مسيرتي، فقد شغلت مسؤولية الإعلام بوحدة البشير، وطورت مهاراتي في “صحافة الموبايل” والإنتاج الميداني، إيماناً مني بأن توثيق العطاء هو جزء من العطاء ذاته.
اليوم، وأنا أنظر إلى الخلف، أرى أن كل ورشة تدريبية، وكل ساعة قضيتها في حصر المتضررين من السيول، وكل دورة “TOT” خضتها، لم تكن مجرد إضافة لسيرتي الذاتية، بل كانت صقلاً لشخصيتي القيادية التي أمارسها الآن في حياتي المهنية الرسمية بوزارة العدل. لقد تعلمت من الهلال الأحمر أن القيادة هي خدمة، وأن التدريب هو استثمار في الإنسان. أقف اليوم ممتناً لكل زملائي الذين رحلوا والذين ما زالوا في الميدان، فخوراً بكوني جزءاً من هذه المنظومة التي لا تعرف المستحيل، ومستعداً دائماً لتلبية نداء الإنسانية في كل زمان ومكان.




