هدايا من نور: قصة متطوع نسي عيده ليتذكر الآخرين.
النيل الأبيض : محمد حبيب الله
لم تكن عقارب الساعة هي من أخبرتني بمرور عام آخر من عمري، بل كانت ملامح الوجوه التي أبحث عنها، ونبرات الأصوات التي تنتظر خبراً يحيي فيها الأمل. كنت غارقاً في تفاصيل البحث، أتتبع أثر المفقودين بين الزحام والركام، أحمل في قلبي أمانة “جمع الشمل” التي جعلتها بوصلتي الوحيدة. وفي غمرة الانشغال، وسط غبار الطريق وضجيج العمل الإنساني، توقفت للحظة لالتقاط أنفاسي، فمرّ خاطر هادئ على عقلي ليذكرني بصوت خفيض: “اليوم هو يوم ميلادك“.
ابتسمتُ بمرارة وعذوبة في آن واحد، فاليوم الذي يحتفل فيه الناس بالهدايا والشموع، مرّ عليّ وأنا أهدي وقتي وجهدي لمن لا يعرفون حتى اسمي. لم أشعر بالحزن لأني نسيت نفسي، بل شعرت بامتلاء غريب؛ ففي تلك اللحظة لم أجد دعاءً أصدق من أن أرجو الله أن يوفقني في هذا الدرب، وأن يجعلني سبباً في لمّ شتات القلوب المنكسرة، ويبارك لي في كل دقيقة تذهب من عمري في سبيل هذا الأثر.
أدركتُ أنني لا أريد من “عيدي” طقوساً تقليدية، بل أريد أن أكون أقرب لرسالتي، وأن تظل يداي ممدوتان بالخير ما حييت. عدتُ لمتابعة مهمتي بهمة أكبر، وأنا أشعر أنني ولدتُ من جديد مع كل أمل أزرعه في حياة الآخرين. فالعمر الحقيقي ليس ما نقضيه لأنفسنا، بل ما نتركه خلفنا من نور. كل عام وأنا أسعى للخير، وكل عام وأنتم والخير في ترابط لا ينقطع.




