في رحاب العطاء: وأبجديات الروح الإنسانية
قصاصات تطوعية ترويها : نجلاء البشير
باسم الله الذي استخلفنا في الأرض لنعمرها بالحب، والصلاة والسلام على رسوله الذي علمنا أنَّ المسلم للمسلم كالبنيان، أقف اليوم لأروي فصولاً من حكاية لم تبدأ في أروقة المنظمات، بل نبتت بذورها في تقديم خدمات بسيطة لشرائح تعيش بيننا، نعرفها وتعرفنا. أنا ندى البشير، التي وجدت نفسها تخوض عُباب العمل الطوعي من بوابة المنظمة الوطنية السودانية للسلام والتنمية المستدامة، وبقلب ينبض في جمعية “الجود بالموجود ” الشبابية بالقضارف؛ هناك حيث لم تكن التجربة مجرد توزيع مساعدات، بل كانت مدرسة لتعلم قوانين الإنسانية قبل قوانين المنظمات.
إن العمل الطوعي في جوهره ليس مجرد يدٍ تعطي، بل هو أسمى قيم المسؤولية تجاه الآخرين بلا مقابل، وأولى أبجدياته هي صون كرامة الإنسان قبل سد حاجته. فما نفع الرغيف إن قُدّم بوجهٍ عابس؟ وما نفع الكساء إن لم يدفئه سلام داخلي؟ لقد تعلمت في مراكز الإيواء ومع النازحين الذين أرهقتهم ويلات الحرب، أن الخدمة الحقيقية هي التي تخرج بابتسامة صافيه وروح طويلة قادرة على امتصاص غضب المكلومين وتحويل معاناتهم إلى سكن، فالدعم النفسي يسبق العون المادي دائماً، والتواضع للمستهدفين والنزول لمستواهم هو الجسر الوحيد للعبور إلى قلوبهم.
وفي دروب هذا العمل الشاق والجميل، تقاطعت خطاي مع شخصيات كانت لي منارات ومعالم؛ فالتحية للاستاذة واصلة عباس التي تعلمنا في ظلال مبادراتها “سِفر الإنسانية” و”برنامج الكساء” كيف يكون الالتزام باللوائح والأساسيات، وكيف يحافظ المتطوع على كاريزما السلام التي تجذب الناس إليه. والتحية للأستاذ معاوية شلكاوي، الذي كان يدير اجتماعاتنا في “الجود بالموجود” بمهارة القائد الذي يضع النقاط على الحروف، فتعلمت منه فن الإدارة ودقة التنفيذ. ولا أنسى الإنسان الذي غمر الجميع بنبله، الأستاذ سليمان أبو علامة، الداعم الأساسي الذي لم يكتفِ بالدعم المادي، بل كان يزور النازحين في مراكزهم ليدعمهم نفسياً بدندناته العذبة وروح الفنان التي تسكنه، فجسّد المعنى الحقيقي للإنسان الذي يذهب بنفسه ليخفف عن الناس.
شكراً لرفاق الدرب في “الجود بالموجود “، وللجهود المبذولة في منظمة “بنِتعلم“، ولنا جميعاً في ساحات العطاء بقية من أمل؛ فنحن لا نقدم المساعدة لأننا نملك الكثير، بل لأننا ندرك تماماً معنى ألا تملك شيئاً سوى كرامتك، وابتسامة صادقة تغير وجه العالم.




