Uncategorized
في اليوم العالمي للعمل الإنساني 2026 …لا إنقاذ للإنسان من دون حماية من ينقذه.
الأبيض/ هيومن ويير ميديا :–السودان حسن عيسى جماع
تبدأ الحكاية الإنسانية من يد.
يد تحمل وجبة إلى أسرة نزحت، أو دواءً إلى مريض، أو ماءً إلى عطشان، أو مشمعًا يقي أسرة من المطر، أو ترفع باب خيمة في مكان صار فيه المؤقت وطنًا ليوم آخر.
قد تبدو اليد صغيرة أمام اتساع الحرب.
لكنها، بالنسبة إلى إنسان ينتظر، قد تكون كل ما بقي له من العالم.
هكذا يبدأ العمل الإنساني: إنسان يرى إنسانًا آخر في لحظة ضعف، فيقترب.
في 19 أغسطس من كل عام، يستعيد العالم اليوم العالمي للعمل الإنساني، تكريمًا للعاملين الذين يذهبون إلى أكثر الأماكن قسوة لمساندة الناس في لحظات النزاع والكوارث والأوبئة والنزوح.
في 2026، تتقدم الحماية إلى قلب المناسبة.
فالأمم المتحدة تؤكد أن حماية العاملين الإنسانيين ليست مسألة امتنان لمن يقدمون الخدمة، وإنما شرط لاستمرار وصول الغذاء والدواء والرعاية والحماية إلى من يحتاجون إليها. وقد قُتل أكثر من 326 عاملًا إنسانيًا خلال عام 2025، ليتجاوز عدد القتلى خلال السنوات الثلاث الأخيرة ألف شخص.
لكن الرقم، مهما كان كبيرًا، لا يستطيع وحده أن يحمل الحكاية.
خلف كل رقم إنسان.
عامل خرج من بيته ولم يعد.
طبيب دخل مستشفىً يعرف أنه يحتاج إلى الحماية، واختار أن يبقى لأن المرضى لم يجدوا مكانًا آخر.
سائق حمل الغذاء والدواء في طريق طويل، وكانت هناك أسرة تنتظر عودته في الجهة الأخرى.
متطوع يعرف الناس بأسمائهم، ويعرف أي بيت يحتاج إلى المساعدة قبل أن يصل الطلب إلى مكتب.
وعامل محلي يعيش الأزمة نفسها التي يحاول تخفيفها عن الآخرين.
لذلك لا يمكن النظر إلى العامل الإنساني باعتباره رقمًا في تقرير.
له وجه.
وله بيت.
وله أسرة تنتظر.
وله حياة تتجاوز المهمة التي خرج لأدائها.
ومن هنا تبدأ الحماية.
حماية اليد التي تصل إلى الإنسان
استهداف العامل الإنساني لا يتوقف أثره عند الشخص الذي تعرض للهجوم.
يمتد إلى الطريق الذي كان يسلكه.
إلى المستشفى الذي يعمل فيه.
إلى الشاحنة التي تحمل الغذاء.
إلى مركز الإيواء الذي ينتظر وصول المساعدة.
وإلى الأسرة التي قد تضطر إلى الانتظار يومًا آخر، وربما أكثر، للحصول على ما تحتاج إليه.
عندما تتعطل يد المساعدة، تتسع المسافة بين الاحتياج والاستجابة.
وعندما يصبح الطريق خطرًا، لا يتوقف الخطر عند الطريق؛ يصل إلى الإنسان في آخره.
لهذا تربط الأمم المتحدة بين حماية العاملين الإنسانيين وحماية المدنيين، وتدعو إلى احترام القانون الدولي الإنساني، وضمان الوصول الإنساني الآمن، والتحقيق في الانتهاكات ومساءلة المسؤولين عنها.
لا تكفي الإدانة إذا بقي الطريق خطرًا.
ولا تكفي القوانين إذا غابت المساءلة.
ولا تكفي المساعدة إذا تعذر وصولها.
السودان.. حيث يصبح الطريق جزءًا من المعاناة
في السودان، لا تحتاج هذه الفكرة إلى كثير من الشرح.
منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، فقد ملايين الناس بيوتهم، واتسعت الحاجة إلى الغذاء والمياه والرعاية الصحية والمأوى والحماية، بينما أصبحت طرق الوصول نفسها جزءًا من الأزمة.
تصف الأمم المتحدة السودان بأنه يمر بأزمة إنسانية واسعة بعد سنوات من الحرب، فيما تواجه الاستجابة قيودًا أمنية ولوجستية كبيرة.
وتشير بيانات برنامج الأغذية العالمي وشركائه إلى أن نحو 19.5 مليون شخص يواجهون مستويات أزمة من انعدام الأمن الغذائي، فيما يواصل العنف والنزوح وقيود الوصول الضغط على المجتمعات وعلى قدرة الاستجابة الإنسانية.
لكن السودان لا يُرى كاملًا داخل الأرقام.
السودان يُرى في حقيبة صغيرة تحملها امرأة وهي تغادر بيتها.
في طفل يلتفت خلفه قبل أن يواصل السير.
في أسرة تنصب خيمتها في مكان لم تكن تعرفه من قبل.
في مشمع يُشد بحبل فوق أعمدة بسيطة ليصنع سقفًا لليلة أخرى.
في حصيرة تصبح فراشًا في الليل ومكانًا للجلوس في النهار.
في جالون ماء يعود فارغًا بعد رحلة قصيرة.
وفي أم تحاول أن تجعل المكان المؤقت يبدو أقل قسوة على أطفالها.
هنا تبدأ اللغة الإنسانية الحقيقية.
شمال كردفان.. المساعدة تمشي على الأرض
في شمال كردفان، أخذت الأزمة خلال 2026 منحىً أكثر قسوة، مع تصاعد العنف وتأثر المدنيين وتضرر البنية المدنية وتزايد الضغوط على مناطق الاستقبال والخدمات. وقد حذرت الأمم المتحدة في يونيو من التصعيد المتسارع وتدهور الوضع الإنساني في الولاية.
وفي الأبيض، عاصمة الولاية، حذّر برنامج الأغذية العالمي في يوليو من تحوّل المدينة إلى مركز متزايد لأزمة النزوح والجوع، مع استضافة أعداد كبيرة من النازحين وضغوط متزايدة على الغذاء والمياه والخدمات، بينما تجاوزت مخيمات النازحين طاقتها الاستيعابية.
هنا لا تكون المساعدة فكرة بعيدة.
يمكن رؤيتها وهي تصل إلى الناس.
وجبة جاهزة تصل إلى أسرة.
سلة غذائية تفتح بابًا ليوم جديد.
دواء يصل إلى مريض.
مياه تصل إلى مكان يحتاجها.
مواد إيواء تساعد أسرة على تثبيت مشمع فوق رأسها.
فريق طبي يتحرك إلى حيث لا يستطيع المريض الذهاب.
ومتطوع يقف بين الناس، يعرف حاجتهم ويعرف أن بعض الأسر لا تملك القدرة على رفع صوتها طلبًا للمساعدة.
في مراكز الإيواء، قد لا يكون المشهد أكثر من خيام ومشمعات وأمتعة قليلة وأسر تحاول ترتيب حياتها من جديد.
لكن داخل كل خيمة قصة.
امرأة تنتظر.
طفل يلعب فوق أرض لا يعرفها.
رجل يفكر في البيت الذي تركه.
أسرة تحاول أن تجعل من قطعة مشمع سقفًا، ومن مساحة ضيقة مكانًا للحياة.
لهذا تصبح الوجبة أكثر من وجبة.
وتصبح الخيمة أكثر من خيمة.
ويصبح الدواء أكثر من علبة.
كل واحدة منها تقول للإنسان: ما زلتَ حاضرًا في حساب العالم.
ما الذي تعنيه وجبة تصل في موعدها؟
في التقرير، يمكن أن تتحول الوجبة إلى رقم.
مئات الوجبات.
آلاف المستفيدين.
عدد من الأسر.
أما في المكان الذي تصل إليه، فلها معنى آخر.
هناك طفل ينتظر.
وأم تقسم ما وصل بين أفراد أسرتها.
وأب يعرف أن الكمية لن تكفي طويلًا، لكنه يعرف أيضًا أن هذا اليوم أصبح أخف.
هناك لحظة قصيرة يجتمع فيها الناس حول الطعام، فتعود للحياة ملامحها العادية.
لهذا لا تقاس قيمة المساعدة بحجم ما يُسلّم فقط.
تقاس بموعد الوصول.
وبالمكان.
وبمدى مطابقته للاحتياج.
وبالكرامة التي تصاحب وصوله.
الاستجابة الإنسانية الجيدة لا تسأل فقط: كم وزعنا؟
تسأل أيضًا:
من وصلته المساعدة؟
متى وصلته؟
ماذا تغير في يومه؟
وهل أصبح أكثر قدرة على الصمود؟
هذه الأسئلة تنقل العمل الإنساني من عدّ الأشياء إلى فهم أثرها.
ومن يحمل كل ذلك؟
خلف كل مساعدة شخص.
عامل ميداني.
طبيب.
ممرض.
سائق.
متطوع.
موظفة حماية.
عامل في مركز صحي.
شاب يرفع صندوقًا.
امرأة تقف مع أسرة وصلت حديثًا.
شخص يفتح باب مركز في الصباح، ويعرف أن عشرات الناس سيأتون إليه لأنهم لا يملكون مكانًا آخر.
كثير من هؤلاء سودانيون.
يعيشون الحرب نفسها.
ويشعرون بالخوف نفسه.
وقد تكون أسرهم نازحة، أو في منطقة يصعب الوصول إليها، أو تنتظر منهم العودة.
ومع ذلك يخرجون.
لهذا تحمل حماية العاملين الوطنيين معنى خاصًا في السودان.
إنهم ليسوا غرباء عن الأزمة.
إنهم جزء من المجتمع الذي يحاول أن يبقى واقفًا.
عندما تصبح الحماية شرطًا لاستمرار الحياة
قد يتوقف فريق عن الحركة لأن الطريق لم يعد آمنًا.
قد تتأخر قافلة، فيتأخر معها الغذاء.
قد يغيب طبيب، فتغيب معه خدمة يحتاج إليها مرضى كثيرون.
وقد ينسحب عاملون من منطقة شديدة الخطورة، بينما يبقى الناس الذين كانوا يخدمونهم هناك.
هذه هي المفارقة المؤلمة:
من يملك القدرة على المغادرة قد ينسحب من الخطر؛ أما من يحتاج إلى المساعدة فقد لا يملك طريقًا للخروج.
لذلك لا ينبغي أن تتحول حماية العامل الإنساني إلى مطلب مهني خاص.
إنها جزء من حماية المدنيين.
وجزء من حماية الغذاء.
وجزء من حماية الصحة.
وجزء من حماية الأمل في أن تصل المساعدة إلى مستحقها.
من المساعدة إلى الصمود
لا تنتهي قيمة الاستجابة عند لحظة التوزيع.
السلة الغذائية تسند الأسرة في يومها.
والوجبة تسندها في وجبة.
والدواء يواجه مرضًا.
والمشمع يوفر سقفًا.
لكن الإنسان يحتاج بعد ذلك إلى أكثر.
يحتاج إلى مياه آمنة.
ورعاية صحية.
وحماية.
وتعليم لأطفاله.
ومصدر دخل.
ومعلومات موثوقة.
ومكان يستطيع فيه أن يستعيد شيئًا من حياته.
لهذا تحتاج الاستجابة في السودان إلى أن تنظر إلى الإنسان كاملًا، لا إلى احتياج واحد منفصل عن بقية حياته.
وتحتاج المنظمات والمبادرات المحلية إلى موارد وحماية ومساحة للعمل، لأنها الأقرب إلى المجتمعات والأقدر على قراءة الاحتياج من داخله.
رسالة هيومن ويير ميديا
من الأبيض، ومن شمال كردفان، ومن قلب تجربة سودانية تعرف معنى النزوح والانتظار والاحتياج، تأتي رسالة هيومن ويير ميديا في اليوم العالمي للعمل الإنساني 2026:
لا نريد للعمل الإنساني أن يصل إلى الناس فقط؛ نريده أن يصل إليهم بأمان، وبكرامة، وفي الوقت الذي يحتاجونه فيه.
نؤمن أن الإنسان ليس «مستفيدًا» في نهاية جدول.
هو صاحب حياة.
وليس العامل الإنساني «موردًا بشريًا» في مشروع.
هو إنسان له أسرة وذاكرة وخوف وحق في العودة إلى بيته.
ولا نرى مراكز الإيواء مجرد مواقع على خريطة.
نراها خيامًا ومشمعات، ووجوهًا، وأطفالًا، وأمهات، وأسرًا تحاول أن تصنع من المؤقت مساحة للحياة.
ولا نرى المساعدة في عدد الصناديق والوجبات فقط.
نراها في السؤال الأصعب:
هل جعلت حياة الإنسان أكثر احتمالًا؟
هذه هي المسافة التي تريد هيومن ويير ميديا أن تعمل فيها: بين الخبر والإنسان، بين الرقم والقصة، بين وصول المساعدة وأثرها، وبين ما يحدث وما يعنيه ذلك لمن يعيش الحدث.
وفي اليوم العالمي للعمل الإنساني، لا نكتفي بتوجيه الشكر إلى من يعملون في الميدان.
نطالب بحمايتهم.
بحماية طرقهم.
بحماية مرافقهم.
بحماية حقهم في الوصول.
وبحماية المدنيين الذين ينتظرونهم.
ونؤمن أن الصحافة الإنسانية لا تكتفي برؤية القافلة وهي تصل.
تسأل عمّن جعل وصولها ممكنًا، وعمّن ينتظرها، وما الذي يحدث للناس إذا توقفت.
الخاتمة
في السودان، قد تبدأ الحكاية من خيمة.
مشمع مرفوع فوق أسرة.
طفل ينتظر وجبة.
مريض ينتظر دواء.
وعامل إنساني يشد حبلًا أو يحمل صندوقًا أو يقود مركبة في طريق لا يعرف إن كان سيعود منه.
قد يبدو المشهد صغيرًا أمام حرب واسعة.
لكنه ليس صغيرًا بالنسبة إلى الذين يعيشونه.
هناك، في تلك المساحة الضيقة، تتحدد قيمة العمل الإنساني كلها.
أن تصل اليد.
أن يصل الغذاء.
أن يصل الدواء.
أن يصل الأمان.
وأن يعود من حملها.
لا نستطيع أن ننهي كل الحروب في يوم.
لكننا نستطيع أن نرفض أن يصبح إنقاذ الإنسان سببًا لفقدان إنسان آخر.
نستطيع أن نجعل القانون أقوى من الخوف، والمساءلة أقرب من الإفلات، والوصول الإنساني أكثر أمانًا، والمساعدة أكثر قربًا من الاحتياج.
ومن الأبيض، من شمال كردفان، ومن السودان الذي ما زال يفتش عن طريق إلى الغد، نقول:
احموا من يحمون الحياة.
احموا اليد التي تمتد إلى الإنسان.
واحفظوا الطريق الذي يصل الإنسان بأخيه الإنسان.
لأن أعظم إنجاز للعمل الإنساني ليس أن تصل المساعدة فقط.
أعظم إنجاز أن تصل المساعدة، ويحيا من حملها، ويجدها من ينتظرها، وتبقى كرامة الإنسان محفوظة في الطريق.
فلنجعل حماية بعضنا بعضًا أعظم إنجازاتنا.
__________
هيومن ويير ميديا – الأبيض – السودان
الإنسان أداة التغيير
الوعي.. الإيجابية.. التغيير
إعداد: حسن عيسى جماع
19 أغسطس2020
______________
المصادر والمراجع:
١. الأمم المتحدة – World Humanitarian Day 2026: المناسبة، رسالتها العالمية، وحماية العاملين الإنسانيين.
٢. مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية OCHA – السودان: الوضع الإنساني وتصاعد العنف في شمال كردفان.
3. OCHA – Sudan Humanitarian Needs and Response Plan 2026: الاحتياجات الإنسانية وإطار الاستجابة في السودان.
٤. برنامج الأغذية العالمي WFP – السودان: الجوع والنزوح والوضع الغذائي.
5. WFP – الأبيض ومركز أزمة النزوح والجوع: أحدث تقييم منشور لوضع الأبيض والنازحين والموارد والخدمات.
6. OCHA – التصعيد في شمال كردفان: التحذير الأممي بشأن تدهور الوضع الإنساني في الولاية.
________
روابط النشر والمتابعة العالمية:
١ – “الأمم المتحدة – World Humanitarian Day” (https://reference-url-citation.invalid/13)
٢ – “مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية – OCHA Sudan” (https://reference-url-citation.invalid/14)
3- “ReliefWeb – المنصة الإنسانية العالمية” (https://reference-url-citation.invalid/15)
٤- “برنامج الأغذية العالمي – WFP Sudan” (https://reference-url-citation.invalid/16)
٥ – “منظمة الصحة العالمية – WHO” (https://reference-url-citation.invalid/17)
٦ – “اللجنة الدولية للصليب الأحمر – ICRC” (https://reference-url-citation.invalid/18)
٧ – “الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر – IFRC” (https://reference-url-citation.invalid/19)
٨ – “مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين – UNHCR” (https://reference-url-citation.invalid/20)
٩ – “أطباء بلا حدود – MSF” (https://reference-url-citation.invalid/21)
١٠- “الأمم المتحدة في السودان” (https://
reference-url-citation.invalid/22)




