
بقلبٍ يملؤه الرضا، وفخرٍ لا تسعه الكلمات، أقف اليوم لأروي فصلاً من أجمل فصول حياتي؛ رحلتي في رحاب العمل الطوعي والإنساني. لم يكن الأمر مجرد “عمل”، بل كان رسالة سماوية، وزاداً لي في دنياي وآخرتي.
بدأت حكايتي من قلب الخرطوم، وتحديداً من أزقة أم درمان العريقة، ومنها انطلقت عبر بوابة “الهلال الأحمر السوداني”؛ ذاك الكيان الصلب، الذي لم يكن مجرد مؤسسة، بل كان مدرسةً صقلت روحي وعقلي. هناك، تتلمذتُ على أيدي قاماتٍ علمتنا كيف يكون العطاء بلا مقابل، وكيف نُسخّر أغلى ما نملك—وقتنا وجهدنا—في سبيل غايةٍ أسمى، متمسكين بالمبادئ السبعة للحركة الدولية، التي عضضنا عليها بالنواجذ.
ماذا منحني الهلال الأحمر؟ :
كثيرون يظنون أن المتطوع هو من يعطي فقط، لكن الحقيقة أنني كنتُ “الآخذ” الأكبر.
- اتساع الأفق: علمتني هذه المؤسسة أن أنظر للحياة بعينٍ أوسع، وأنفذ إلى أماكن لم أكن لأصلها لولا هذا الرداء الأحمر.
- الراحة النفسية: شعور لا يوصف حين تضع رأسك على الوسادة وأنت تعلم أنك كنت سبباً في تخفيف ألم أو مسح دمعة.
- دروس الحياة: الهلال الأحمر ليس مجرد توزيع إعانات، بل هو تبادل رسائل إنسانية؛ أنت تعطي المساعدة، وتأخذ في المقابل دروساً في الصبر والجلد والقناعة.
مواقف لا تُنسى: دعوةٌ تسوى الدنيا :
عشر سنوات مضت، وفي ذاكرتي مشهد لا يغيب؛ حين تقف أمام إنسان بسيط، أرهقته الظروف وأقعدته الحاجة، لا يملك من حطام الدنيا شيئاً، وبمجرد أن تجلس معه، تسمعه، وتمد له يد العون، تتبدل ملامحه. يبتسم بصفاء، ويرفع يده للسماء قائلاً: “يا ابني.. ربنا يوفقك ويغطي عليك”.
تلك الكلمات الصادقة من قلوبٍ بريئة هي الوقود الذي يدفعنا للاستمرار، وهي المكسب الحقيقي الذي لا تشتريه أموال الأرض.
في قلب العاصفة :
لقد خضنا في الهلال الأحمر غمار تحدياتٍ جسام؛ من طوارئ صحية، وفيضانات عارمة، وصولاً إلى الكوارث التي صنعتها أيدي البشر في الآونة الأخيرة. وفي هذه الظروف الاستثنائية التي تمر بها بلادنا، وخاصة في الخرطوم، أقف إجلالاً لإخوتي المتطوعين الذين يبذلون الغالي والنفيس، متفانين تحت شعار الهلال الأحمر، يخدمون الإنسان السوداني بصبرٍ وثبات.
مبادراتٌ من رحم المجتمع
لم نكتفِ بالطوارئ، بل كانت روح المبادرة تقودنا دائماً تنظيم إفطار الطريق في رمضان، كنا نتسابق لإطعام الصائمين وعابري السبيل في لحظات الإفطار.، كان لنا دور كبير ان نكون سند المستشفيات من خلال الوقوف مع المرضى في حوجتهم الماسة، وشكلت مبادرة الدواء التي من خلالها نسعي لتوفير قيمة “الروشتة” لمن ضاقت بهم السبل، إيماناً منا بأن الحق في الصحة حقٌ أصيل.
إن انتمائي الأول والأخير سيظل لهذا العمل النبيل. فخري الأكبر ليس في منصب أو مكسب، بل في كلمة واحدة أعتز بها ما حييت: “أنا متطوع”. نسأل الله أن يحفظ السودان، ويجتث منه المحن، ويديم القوة في سواعد المتطوعين في كل ربوع بلادي.



