في تلك المساحة الضيقة من مستشفى عطبرة، حيث يتنفس الوجع من رنين أجهزة غسيل الكلى ويستقر الصبر في عيون المنتظرين، كان الشاب محمد صالح يرسم ملامح استثنائية لمعنى الوفاء. لم يكن مجرد مرافق عادي يراقب أخاه وهو يخوض رحلته الشاقة مع المرض، بل كان قلباً ينبض بحب الخير في عز المحنة. فبينما كان التعب يلقي بظلاله على المكان، كان محمد يجد في خدمة الآخرين متنفساً لروحه، وكأنه يستمد القوة لأخيه من خلال جبر خواطر الغرباء.
مع اقتراب ساعة الغروب من كل يوم رمضاني، كان محمد يغادر مقعد الانتظار بجوار أخيه، لا ليرتاح، بل لينضم إلى رفاقه في ساحات العمل الطوعي، حيث تسابق سواعده الزمن لتجهيز إفطارات الصائمين. لم تمنعه هواجس المرض ولا مشقة المرافقة من أن يكون حاضراً، يوزع العطاء بابتسامة لا تغادر ثغره، ويؤكد أن القلب الذي يمتلئ بالإيمان والرحمة لا يعرف الكلل. لقد كان يدرك أن “أخاه” ليس وحده من يحتاج إليه، بل إن مدينته وأهله ينتظرون منه ذلك الأثر الذي يتركه كل متطوع مخلص.
إن حكاية محمد صالح هي تجسيد حي لأن العمل الطوعي ليس ترفاً لمن يملك الوقت، بل هو قرار من يملك “الإرادة“. لقد قدم درساً صامتاً في أن العطاء الحقيقي هو ذلك الذي يولد من رحم المعاناة، وأن الروح التي تختار أن تمنح رغم ظروفها هي الروح التي تصنع الفرق الحقيقي في المجتمع. بقي محمد طوال الشهر الفضيل نموذجاً ملهماً، يجمع بين بر الأخ وإغاثة الملهوف، ليخبرنا جميعاً أن الخير في هذه الأرض باقٍ، طالما أن هناك قلوباً مثل قلبه تختار العطاء قبل الراحة.




