قٌصاصات تطوعية
أخر الأخبار

بين غبار البطانة ونبض الإنسانية: حكاية الصبر في دروب الهلال الأحمر

قصاصات تطوعية يرويها : حواء آبون

​اسمي حواء أبون كبدان، وكياني الذي يعرفني الناس به هو “الهلال الأحمر السوداني“. بدأت قصتي مع هذا العشق الإنساني في عام 1997، كنت حينها صغيرة في السن، حتى أن الأستاذ ياسين رفض قبولي في بادئ الأمر لصغر سني، لكن الإصرار كان رفيقي؛ فعدت مرة وثانية وثالثة، حتى نلت شهادة الإسعافات الأولية في عام 1998 بعد ثلاث دورات تدريبية متتالية. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد المتطوع بداخلي مجرد لقب، بل صار أسلوب حياة.

​انطلقت رحلتي الحقيقية كمدربة في عام 2005، بعد أن نلت دورة تدريب المدربين وبرنامج مكافحة “الإيدز” الذي كان حينها ظاهرة جديدة تتطلب وعياً خاصاً. كانت أولى محطاتي الميدانية في محلية قلع النحل بقرية “حفير الجير“، حيث قضيت 15 يوماً بعيداً عن المنزل لأول مرة. كانت تجربة قاسية ومدهشة في آن واحد؛ فالحياة هناك تختلف تماماً عما اعتدته. واجهت مشكلة التأقلم مع الأكل والنوم خارج البيت، وصدمتني مرارة الواقع في منطقة البطانة حيث يشرب الإنسان والحيوان من نفس “الحفائر” المليئة بالفضلات والمياه الراكدة. هناك، ولأول مرة في حياتي، رأيت “الدجاج المطبوخ بالويكة“، وكان عليّ أن أتعايش مع كل ذلك لأؤدي رسالتي.

​من “حفير الجير” إلى “باسندة“، ثم “كسيبة“، و”سرف سعيد“، و”مريود“، وصولاً إلى “القريشة“؛ قضيت شهرين متواصلين في الميدان قبل أن أرى بيتي في القضارف. ولم أكد أستريح حتى أعادوني إلى قلب البطانة مرة أخرى، لأتنقل بين “حلة حمد”، “الفولة“، “قردود“، و”ود بشارة“. في “ود بشارة” تحديداً، حدث موقف لن أنساه أبداً؛ بينما كنت أشرح درساً عن كيفية التعامل مع النزيف، نشب عراك حقيقي بين أخوين، وأصيب أحدهما بطعنة سكين أدت لنزيف حاد. في تلك اللحظة، تحول الدرس النظري إلى معركة لإنقاذ حياة. ورغم الخوف والرهبة اللذين تملكاني في البداية، إلا أنني ثبتُّ ونجحت في إيقاف النزيف أمام الجميع، فكان ذلك الاختبار الحقيقي لثباتي كمسعفة.

​طوال مسيرتي التي بدأت منذ عام 2005 كمدربة، ظللت أعمل في القرى والمحليات البعيدة، ولم أحظَ بفرصة التدريب داخل مدينة القضارف إلا مؤخراً خلال سنوات الحرب في 2024 و2025. ورغم كل هذا العطاء والسنوات الطوال، أجد غصة في قلبي؛ فأنا حتى يومي هذا مدربة “بالاسم” فقط، لا أحمل شهادة رسمية لتدريب المدربين (TOT) ولا حتى بطاقة عضوية تثبت انتمائي لهذه المؤسسة التي وهبتها عمري. كنت أرى الآخرين يذهبون في دورات لتبادل الخبرات في الخرطوم والولايات الأخرى، بينما بقيت أنا في الميدان الوعر، وكأنني من المنسيين أو المهمشين في زوايا الجمعية.

​لقد مرت عليّ لحظات شعرت فيها بالظلم والمرارة، وربما الندم لأنني لم أنل التقدير الذي أستحقه وفق اللوائح، لكن سرعان ما يتبدد هذا الشعور حين أتذكر أن العمل الإنساني هو اصطفاء من الله. لقد تشربنا حب العطاء، لذا أوصي كل المتطوعين، داخل الولاية وخارجها، أن يعملوا بحب وإخلاص ومصداقية. نحن لم نوضع في هذا المكان إلا لأن الله رآنا أهلاً له. ورغم المواقف الطريفة التي واجهتها، مثل اتهام زميلي الأستاذ أحمد ضحية لي بالتكبر والمفخرة لأنني كتبت تقريراً لم يعجبه، أو معاناتي مع حرارة الشمس في “المخدع”، إلا أنني أبقى فخورة بما قدمت، ومؤمنة بأن مكانة الإنسان الحقيقية تُبنى بعطائه لا بالشهادات التي يحملها.

 

Seafr Alinsania

(سِفر الإنسانية) ، صحيفة للخير والعطاء دون رياء ، (سِفر الإنسانية) ، آيادي تمتد لتمسح دمعة الحزن علي الوجوه الكالحة ، (سِفر الإنسانية) ، آيادي تربت علي المحزون والموجوع ، (سِفر الإنسانية) ، لوحة ترسم معالم العطاء علي وجه الحياة ،(سِفر الإنسانية) بطاقة دخول لعالم الخير ..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى