”تراتيل العطاء.. من ضفاف ‘عد بابكر’ إلى مرافئ النزوح: حكاية قلبٍ نبضَ بالإنسانية”
تعزفها : الآء إبراهيم محمد

هذه قصة إنسانية ملهمة، تحمل في طياتها مزيجاً من الوفاء والشجن والأمل. لقد قمت بإعادة صياغتها بأسلوب أدبي يبرز التحولات النفسية والمحطات الفارقة في رحلة الأستاذة آلاء إبراهيم، مع اختيار عنوان يجمع بين الأرض والرسالة.
في عام 2019، لم أكن أعلم أن خطوتي الأولى نحو مقر الهلال الأحمر السوداني ستكون بداية لأجمل تغريبة في حياتي؛ رحلة لم تكن مجرد ساعات تطوعية، بل كانت مساراً لإعادة اكتشاف الذات وصياغة مفهوم جديد للحياة والموت والمحبة.
كانت البداية من “عد بابكر“، هناك في شمال المربع (1)، حيث شهدتُ ولادة حلمنا الصغير. أنشأنا وحدتنا التطوعية بجهد المخلصين، وكبرت أمام أعيننا لتصبح منارة للخدمة. وفي ذلك الطريق، لم أكن أسير وحدي، بل كانت تعضدني رفيقة الدرب والروح، الشهيدة سارة حسن عبد الله. سارة التي لم تكن مجرد صديقة، بل كانت أيقونة للنقاء، رحلت بجسدها وبقيت ذكراها سيرةً عطرة تُتلى في كل محفل إنساني، تُذكرنا بأن ضريبة العطاء قد تكون الروح أحياناً.
خضنا معاً معارك “الصحة البيئية“، مؤمنين بأن نظافة الأرض هي أولى خطوات كرامة الإنسان، وامتدت أيادينا لتلامس أرواح الأطفال، طموح الشباب، وحكمة كبار السن، متكئين على قامات علمونا أبجديات التفاني. شكراً لقلب الأستاذة إيمان بانقا، وللأثر الطيب الذي تركه الأستاذ سليمان آدم عبد المولى (لبشه)، والأستاذ عبد الله فضل المولى (سيبويه)، والراحل المقيم الأستاذ صلاح الدين صديق، والأستاذة خديجة موسى. كل واحد منهم كان محطة ضوء في ليل التحديات.
ثم جاء اللقاء الذي صقل معدن التجربة، حين التقيت بسفيرة الإنسانية الأستاذة واصلة عباس (واصلة بت التربال). في مدرستها، تعلمتُ أن التطوع ليس مجرد نشاطٍ عابر، بل هو دستور أخلاقي ومسؤولية تزن الجبال.
وحين طرق الحرب أبواب مدينتنا، بدأت فصول النزوح القاسية. في البدء، كان الوجع ينهش الروح، لكن الإنسانية لا تعرف الانكسار. تحولت رحلة الشتات بين ولايتي الجزيرة والقضارف إلى ملحمة من الود؛ التقينا بزملاء وموظفين فتحوا لنا قلوبهم قبل أبوابهم. عشنا معهم لحظات من التعاون الصادق جعلت من الفراق اليوم أمراً عصياً على التصور. بتنا نتساءل بصمت: كيف سنعود إلى الخرطوم ونحن نترك خلفنا قطعاً من قلوبنا في كل ولاية مررنا بها؟
إن التطوع يا سادة ليس “عملاً” نؤديه، بل هو الروح التي تضيء عتمة الطرقات، والرسالة التي تربط القلوب بخيط من نور لا يقطعه رصاص ولا تمحوه غُربة.
تحية إعجاب وانحناء لمتطوعي بلادي.. أنتم الفجر الذي ننتظره.
آلاء إبراهيم محمد أحمد
نائب رئيس لجنة تسيير ولاية الخرطوم


