ثلاثون يوماً من النزوح.. قصة “مزاهر” التي قاسمت الحيوانات مياه النهر لإنقاذ طفليها.
حكايات إنسانية
خلف كل رقم في إحصائيات النزوح بالسودان، تختبئ حكاية تمزق القلب؛ وحكاية مزاهر هي واحدة من تلك القصص التي تجسد معنى الصمود في وجه الموت. لم تكن رحلتها من كردفان إلى القضارف مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل كانت صراعاً مريراً من أجل البقاء، استمر لثلاثين يوماً بلياليها تحت سماء لا تعرف الرحمة.
عندما اشتعل فتيل العنف في قريتها بكردفان، لم تحمل مزاهر سوى طفليها وما خفّ وزنه من ذكريات. سلكت طرقاً وعرة، مشياً على الأقدام في أغلب الأحيان، حيث تلاشت مظاهر الحياة تدريجياً.
”بلغ بنا العطش والجوع مبلغه.. لم نجد بئراً ولا مورداً، فاضطررنا في نهاية المطاف لشرب الماء من النهر، جنباً إلى جنب مع الحيوانات. كانت تلك هي الوسيلة الوحيدة لنبقى على قيد الحياة، رغم علمي بخطورة تلك المياه على أطفالي الصغار”.
بالنسبة لمزاهر، النزوح ليس مجرد مغادرة منزل، بل هو انسلاخ عن الهوية والأمان. تقول بنبرة يغلبها الشوق:
”الأمر لا يتعلق فقط بالخوف من الرصاص، بل بفقدان كل ما هو مألوف. نفتقد بيتنا، جيراننا، والروتين البسيط الذي كان يشعرنا بأننا بشر. لقد خسرنا المكان الذي اعتدنا العيش فيه، وأصبحنا غرباء في طرقات لا تنتهي”.
بعد وصولها المنهك إلى ولاية القضارف، بدأت ملامح المعاناة تظهر جلياً على طفلها الأصغر، الذي لم يتجاوز العام من عمره. جسده الهزيل كان يئن من تبعات “ماء النهر” وسوء التغذية الحاد.
هناك، تدخلت العيادة المتنقلة التابعة لليونيسف، حيث بدأت الفرق الطبية بتقديم العلاج التغذوي المكثف والرعاية الصحية العاجلة له. هذه العيادات ليست مجرد خيام طبية، بل هي “جسور حياة” تصل إلى العائلات في مراكز الإيواء والمناطق النائية لتقدم الدواء واللقاحات والحليب العلاجي.
تعمل اليونيسف مع شركائها على الأرض لضمان ألا تكون قصة مزاهر نهاية مأساوية. ومع تزايد موجات النزوح، تزداد الحاجة لتوسيع نطاق هذه العيادات المتنقلة، فكل طفل مثل ابن مزاهر يستحق فرصة للنمو بعيداً عن أمراض النزوح ومرارة الحرمان.
قصة مزاهر تذكرنا دائماً أن خلف كل خيمة نزوح، هناك أم تحلم فقط بأن يشرب طفلها ماءً نظيفاً، وأن ينام في مكان يشبه “الوطن”.
#لكل_طفل_أمل
#قصص_من_السودان
