في حوار مع الأمين العام لمنظمة الجود بالموجود عاشق الضياء في عتمة الحرب.. فخر الدين الحبري: القائد الذي يبصر بقلبه أوجاع الوطن
حوار : سفِر الإنسانية
مدخل :
في ولاية القضارف، حيث تزدحم الدروب بحكايات النزوح وقهر الظروف، يبرز اسم الأستاذ فخر الدين حسن الحبري، الأمين العام لجمعية “الجود بالموجود”، كظاهرة إنسانية استثنائية. لم يكن فقدان البصر بالنسبة له نهاية الطريق، بل كان ميلاداً لـ “بصيرة” نافذة تحسست آلام الوافدين قبل أن يراها المبصرون. يقود فخري اليوم جيشاً من المتطوعين وسط زخات المطر وتحت قسوة الشتاء، ليثبت للعالم أن العطاء لا يحتاج إلى عيون، بل إلى أرواح تفيض بالإنسانية. في هذا الحوار، نبحر في أعماق تجربة رجل هزم العتمة ليصبح قنديلاً لآلاف النازحين.
س: انطلقت مبادرة “الجود بالموجود” في توقيت عصيب جداً، كيف كانت اللحظات الأولى لولادتها في وجدانكم؟
لقد ولدت هذه المبادرة من “وليدة اللحظة” وسط زحام الوافدين إلى ولاية القضارف من سنجة وسنار والخرطوم ومدني. كنا نرى الوفود الغفيرة تصل في ظروف قاسية، محتاجين للأكل والشرب والكساء. تجمعنا كمجموعة شباب تجري في دمائهم جينات العطاء، وبدأنا بتوزيع السندوتشات في الليالي الممطرة. لم يكن لدينا دعم من جهات رسمية أو منظمات، بل اعتمدنا على “الشير” بيننا وعلى كرم أهل القضارف الأصلاء، لتتحول اللحظة العابرة إلى كيان مؤسسي يخدم كل محتاج.

س: فقدان البصر تحدٍ جسدي كبير، كيف استطعت تجاوز هذه العقبة لتكون في قلب العمل الميداني المنهك؟
صدقني، بمجرد أن انخرطت في العمل التطوعي نسيت نفسي ونسيت حالتي الصحية تماماً. روحي عالية ومعنوياتي في قمتها لأنني أجد شفائي في مساعدة الآخرين. أنا أتحرك تحت زخات المطر، في الصيف والشتاء، ولا أشعر بالعجز لأنني أرى بعين قلبي فرحة طفل أو دعوة أم مكلومة. العمل الإنساني هو الذي يمنحه “نوراً” داخلياً وانشراحاً في الصدر، وأعود بعد كل مهمة بروح متجددة تختلف تماماً عن تلك التي بدأت بها اليوم.
س: الجمعية لم تكتفِ بتوزيع الطعام، بل خضتم في ملفات طبية معقدة، فما هي أبرز إنجازاتكم في هذا الصدد؟
لقد عملنا في قطاع الدواء بشكل مكثف؛ أشرفنا على عمليات ولادة قيصرية وطبيعية، وتكفلنا برعاية المولود والأم رعاية تامة من ملابس وحليب وعلاجات. كما وزعنا الكراسي المتحركة لذوي الاحتياجات الخاصة، ولعل أبرز محطاتنا كانت تنظيم مهرجان ضخم لختان 91 طفلاً من أبناء النازحين، وهي خطوة لم تكن تخطر ببال أحد وسط ظروف الحرب والنزوح، لكننا آلينا على أنفسنا أن ندخل الفرحة إلى قلوب تلك الأسر.
س: يتساءل الكثيرون عن سر صمودكم واستمراريتكم في ظل انعدام التمويل الرسمي، كيف تدار دفة “الجود بالموجود” مالياً؟
نحن نعمل بنظام “نكران الذات” التام؛ إذا نقصت أي ميزانية لعملية جراحية أو وجبة، نقوم بعمل “شير” فوري بين أعضاء الجمعية. نحن نعتمد على علاقاتنا الطيبة مع أهل الخير في القضارف، وهم ناس كرم وعطاء لا يتأخرون. الثقة هي رأسمالنا؛ حين يرى المتبرع أن المبالغ تذهب مباشرة لإنقاذ روح أو إطعام جائع، يفتح قلبه وجيبه لنا. نحن ندير مكتباً إدارياً مميزاً بقيادة رشيدة ومرونة عالية، وهذا ما جعلنا مستمرين رغم كل الصعاب.
س: تعملون في ظروف مناخية متقلبة، فكيف ينسجم فريقكم مع تقلبات الفصول الأربعة في القضارف؟
نحن نعمل تحت زخات مطر الخريف، ورعد الشتاء، وحرارة الصيف. لا يمنعنا ظرف مناخي عن أداء واجبنا. الاستمتاع الحقيقي لنا وللتيم العامل يكون في قمة العطاء وسط هذه الظروف. الانسجام بين شباب الجمعية هو سر قوتنا؛ هناك تناسق جميل وروح طيبة تجمعنا، فنحن لا نحمل في دواخلنا إلا الاحترام والتقدير لبعضنا البعض، وهذا التناغم هو الذي يذلل كل العقبات الطبيعية أو اللوجستية.
س: تتحدث دائماً عن “الروح الأسرية” مع النازحين، كيف تحولت الخدمة الإنسانية إلى علاقة اجتماعية متينة؟
هؤلاء ليسوا مجرد نازحين، بل هم إخوان وأحباء. لقد ذابت الحواجز بيننا حتى أصبحوا يتصلون بنا في أنصاف الليالي لطلب العلاج أو لمجرد الاطمئنان. حتى الذين غادروا إلى الدندر والسوكي ما زلنا نتواصل معهم بانتظام. نحن نستمتع بخدمتهم، وأجمل لحظات حياتي هي حين أسمع دعوات “الغلابة” والمحتاجين، فهي الوقود الذي يدفعنا للاستمرار، فليس بين دعوة المظلوم والله حجاب.
س: بصفتك من القيادات الاُولي لهذه المجموعة، ما هي الكلمة التي توجهها للشباب السوداني الذي يمر بظروف قاسية الآن؟
أقول لهم إن العمل الطوعي هو الذي يبني الأوطان والنفوس. انظروا إليّ، رغم فقدي لبصري، إلا أنني أعمل بكل طاقة، وبدون رياء أو رغبة في سمعة، بل خالصاً لوجه الله. السودان بلد كرم وعطاء، وتكاتفنا هو الذي سيخرجنا من نار هذه الحرب. ابحثوا عن السعادة في إطعام جائع أو كسوة عريان، فالسعادة الحقيقية هي تلك التي تنبع من انشراح الصدر بعد تقديم خدمة لإنسان آخر.
س: ما هي الرؤية المستقبلية لجمعية “الجود بالموجود” بقيادتكم الرشيدة؟
طموحنا ليس له حدود؛ لقد تسجلنا كجمعية ونسعى الآن لتطويرها إلى “منظمة الجود بالموجود الخيرية“. نحلم بأن نكون منظمة وطنية رائدة تعمل في كل بقاع السودان، بل ونطمح للوصول إلى العالمية وعقد شراكات مع منظمات أجنبية. لدينا تيم متناسق، ومكتب إداري مرن يتمتع بخبرات عالية ونكران ذات تام. نحن نعمل برؤوس مرفوعة لأن هدفنا خالص لوجه الله، وسنظل نكافح حتى يعم السلام والوئام كل ربوع سوداننا الحبيب.




