”من سواعد المتطوعين إلى صروح الإنسانية: حوار الوفاء مع الدكتور أسامة عثمان طلحة.. مهندس النهضة في الهلال الأحمر السوداني”
سفِر الإنسانية
المقدمة:
في عوالم العطاء، ثمة رجال لا يكتفون برسم الطريق، بل يعبدونه بعرقهم وصبرهم. حوارنا اليوم مع قامة سودانية سامقة، بدأت مشوارها من “أول الدرج” متطوعاً يحمل الطوب ويبني الأحلام في أزقة “سنجة” و”السوكي“، حتى غدا رباناً ماهراً يقود دفة الإدارة التنفيذية لجمعية الهلال الأحمر السوداني في ولايتي الجزيرة والنيل الأبيض.
الدكتور أسامة عثمان طلحة؛ الرجل الذي زاوج بين روح “المتطوع” وعقل “المخطط“، فاستطاع تحويل العمل الخيري من مجرد إغاثات عابرة إلى مشروعات تنموية وبنية تحتية وموارد مالية مستدامة (فنادق، عقارات، ومشاريع زراعية). هو الذي لم تمنعه ضغوط العمل من نيل أرفع الدرجات العلمية، لتكون أطروحته في الدكتوراه هي ذاتها قصة حياته: “إدارة الأزمات في الهلال الأحمر”. نُبحر معه في هذا الحوار لنستكشف محطات البناء، ومعارك التحدي، ودروس الوفاء.
نص الحوار:
بدأت مشوارك في عام 1987 بضرب “25 ألف طوبة” مع المتطوعين لبناء أول مقر للهلال الأحمر بسنجة.. كيف يستحضر ذاكرتك ذلك المشهد اليوم وأنت ترى تلك الدار ما زالت قائمة؟
بسم الله الرحمن الرحيم، ذلك المشهد هو “التميمة” التي رافقتني طوال مسيرتي. في عام 1987، لم نكن نملك مالاً، لكننا نملك “سواعد” وإيمان. ضربنا 25 ألف طوبة بجهد ذاتي، ومنها نلنا أول قطعة أرض تُمنح للهلال الأحمر على مستوى المحليات في السودان. تلك الدار في “حي الثورة” بسنجة ليست مجرد مبنى، بل هي الشاهد على أن العمل الطوعي إذا اقترن بالإرادة، يصنع المعجزات. منها انطلقنا لتأسيس فروعنا في الدمازين، السوكي، أبو حجار، والدندر، وهي تجارب صقلتنا في مواجهة السيول والفيضانات والأوبئة.

ذكرت في حديثك مواقف طريفة ومؤثرة مع زملاء الدرب مثل “الخزين” و”إخلاص المكي”.. ما هو الأثر الإنساني الذي تركته هذه الرفقة في وجدانك؟
هذه هي الروح التي تحرك الهلال الأحمر. “الخزين” كان فاكهة رحلاتنا، وزميلي “عوام محمد طيب” والمرحوم “جمال مفرح” كنا خلية واحدة. أتذكر “إخلاص المكي” وهي تحمل قفف الفاكهة لتوزيعها على المرضى بمستشفيات السوكي وسنجة بكل جلد وصبر. هذه المواقف علمتني أن القيادة ليست “مكتباً وبذرة“، بل هي “ميدان ورفقة”. هؤلاء المتطوعون هم الرصيد الحقيقي الذي أفتخر به، وعلاقتي بهم اليوم كأخ وصديق تفوق أي منصب وظيفي.
انتقلت من العمل الميداني إلى الإدارة التنفيذية في ولاية الجزيرة (2004-2006)، وحققت “طفرة” في البنية التحتية.. كيف تحول الهلال الأحمر في عهدك إلى مؤسسة تمتلك “أصولاً استثمارية”؟
كان التحدي هو: كيف نجعل الجمعية قوية مالياً ولا تعتمد فقط على المنح؟ في الجزيرة، وبفضل الله وتكاتف اللجنة والمتطوعين، شيدنا عمارتين استراتيجيتين؛ إحداهما تعمل كداخلية واستثمار يدر دخلاً ثابتاً للجمعية، والأخرى بمواصفات عالمية تتحمل ستة طوابق. كما استطعنا تأمين أراضٍ في الكاملين، الحصاحيصا، والمناقل. هذا الفكر الاستثماري جعل “فرع الجزيرة” نموذجاً، حتى صُنفت شبكة متطوعيه كأفضل شبكة في إدارة الكوارث، ونلنا تكريماً من الاتحاد الدولي للصليب الأحمر والهلال الأحمر.
رحلتك مع ولاية النيل الأبيض عام 2007 كانت محفوفة بالمخاطر، حيث استلمت فرعاً مثقلاً بالديون (54 مليون جنيه آنذاك).. كيف نجحت في تحويله إلى فرع “نموذجي” يمتلك فندقاً و70 ألف دولار في خزينته عند مغادرتك؟
كانت معركة حقيقية. بدأنا بفرع عبارة عن 4 غرف تشبه الدكاكين، وديون متراكمة. لكننا وضعنا خطة “تصفير الديون” ثم البناء. اليوم، النيل الأبيض يضم عمارة من 4 طوابق شيدت بجهد ذاتي، والأهم من ذلك “فندق الهلال الأحمر” العالمي (3 نجوم) الذي جلبنا أثاثه من الصين ليكون مورداً مستداماً. لقد أدرنا أكبر عملية لإغاثة لاجئي جنوب السودان، ووظفنا أكثر من 350 متطوعاً في وظائف رسمية مع المنظمات الدولية، مما جعلنا الشريك الأول والوحيد لمنظمات مثل (WFP) والمفوضية السامية للاجئين.

لم يقتصر نجاحك على المباني، بل دخلت “المجال الزراعي والإنتاجي”.. حدثنا عن هذه التجربة الفريدة؟
أؤمن بأن الهلال الأحمر يجب أن يكون في قلب “الأمن الغذائي“. في النيل الأبيض، أسسنا مشاريع زراعية (40 فدان ري صناعي، و500 فدان ري مطري) بآلياتنا الخاصة. دخلنا مجال المخابز، وتسمين العجول، وتربية الأبقار. هذه المشاريع جعلت الجمعية “منتجة” وليست “مستهلكة” فقط، وغادرت الفرع عام 2020 وهو في قمة عطائه واستقراره المالي.
من متطوع بسيط إلى دكتوراه في “إدارة الأزمات والكوارث”.. كيف ساهم الهلال الأحمر في تكوين شخصية د. أسامة العلمية؟
الهلال الأحمر هو مدرستي الكبرى. بدأت معلماً في الثانوية، وبدعم من هذه المؤسسة وتحفيز العمل الميداني، نلت الدبلوم العالي ثم الماجستير وصولاً إلى الدكتوراه. اخترت أن يكون بحثي عن “إدارة الأزمات في الهلال الأحمر السوداني” لأنني أردت توثيق تجربتنا وتحويلها من ممارسة عفوية إلى علم يُدرس. أنا مدين لهذه المؤسسة بكل درجة علمية نلتها، فقد منحتني الرؤية والهدف.

كلمة أخيرة توجهها لآلاف المتطوعين الذين يرون فيك قدوة “بدأ من الصفر ووصل إلى القمة”؟
أقول لهم: التطوع هو الذي “يبني” الإنسان قبل أن يبني الأوطان. ابدأوا من “أول الدرج” بصدق، ولا تستعجلوا النتائج. الإنجاز الحقيقي ليس في المنصب، بل في “الأثر” الذي تتركه خلفك؛ في دارٍ بنيتها، أو متطوعٍ دربته، أو لاجئٍ أطعمته. الهلال الأحمر هو بيتكم، فاجعلوه دائماً قوياً بسواعدكم وعقولكم.




