بين نار الحرب ودفء التطوع : حكايتي في ولاية القضارف
قصاصات تطوعية يرويها : سليمان أبكر يحيى
في منتصف يوليو 2023م، حين اشتدت ويلات الحرب وتصاعدت حدتها في مدينتي الحبيبة أمبدة، كان الناس يفرون في كل الاتجاهات نحو الولايات الآمنة. كنت متمسكاً بالبقاء، لكن نداءات أشقائي لم تتوقف؛ كانوا يلحّون عليّ بضرورة المغادرة والتوجه نحو مدينة القضارف. وأخيراً، أمام إصرارهم، اقتنعتُ وقررتُ الرحيل رفقة ابن خالتي “الشيخ بحر” وأولاده.
لم تكن رحلة الخروج مجرد سفر، بل كانت ملحمة شاقة عبرنا فيها خمس ولايات كاملة؛ بدأنا من الخرطوم، مروراً بالنيل الأبيض، ثم سنار، فالجزيرة، حتى وصلنا أخيراً إلى ولاية القضارف وهي ترفل في عز خريفها وأمطارها الغزيرة.
ملاذ الأمل: فرع الهلال الأحمر :
فور وصولي، اتجهت إلى فرع جمعية الهلال الأحمر السوداني بكرام القضارف للتعرف عليهم. هناك، احتضنني الاستقبال الدافئ للموظفين والمتطوعين، فكان بمثابة بلسمٍ ودعمٍ نفسي أعاد إليّ سكينة الروح وسط زحام النازحين وتدفقهم على الفرع ومراكز الإيواء.
في تلك اللحظة، وهبتُ نفسي كلياً للتطوع معهم. خضنا الميدان مع تيم طوارئ المعسكرات المتخصص، ونصبنا الخيام، ووزعنا الإغاثات، وقدمنا الدعم النفسي والفني في مراكز عديدة، منها على سبيل المثال لا الحصر: الحوري، الشجيرات، أبوالنجا، والصراف.
أرض أزهرت فيها الشارة :
كانت القضارف ملاذاً جامعاً؛ إذ احتضن فرعها متطوعين يتوافدون من كل أرجاء السودان (الخرطوم، الجزيرة، سنار، النيل الأزرق، النيل الأبيض، ولايات دارفور، وولايات كردفان). فتح الفرع أبوابه للجميع، وصنّف المهارات، ودفع بنا جميعاً إلى الميدان. هناك، ذابت الفوارق والولايات، ولم يعد يجمعنا سوى الشارة ومظلة المبادئ الأساسية للحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر؛ تناسَى الجميع ديارهم في حضرة العمل الطوعي.
كانت تجربة استثنائية أضافت الكثير لمسيرتي في العمل الإنساني، ومنحتني علاقاتٍ جديدة وبصمةً خالدة بنكهة هذا الزمن الصعب… وفعلاً، رُبّ ضارةٍ نافعة.
كلمة وفاء واعتراف بالجميل:
لا يمكنني أن أطوي هذه الصفحة دون إزجاء الشكر الجزيل لمدير الفرع الأستاذ علي محمد محمد أحمد، على تعامله الراقي، وابتسامته الدائمة، وجلوسه الأخوي معنا وفرحته الصادقة بالمتطوعين.
والشكر موصول لمدير تنمية المتطوعين الأستاذ يس محمد محمد معاذ؛ ذلك الرجل الذي تجده دوماً متبسماً ومرحباً، والدعم النفسي يتدفق منه ببراعة. يمتلك خبرة كبرى في امتصاص الضغوط النفسية الناتجة عن الحرب والنزوح، وموفقٌ دوماً في انتقاء كلماته وإشعاراته الإيجابية.
كما أحيي كافة موظفي الفرع والمتطوعين والمدربين جميعاً دون استثناء، على صبرهم وتقبلهم لنا، حتى صرنا – دون أدنى شك – جزءاً لا يتجزأ من متطوعي ولاية القضارف.
ختام المحطة :
ستظل القضارف محطة بارزة وتاريخاً محفوراً في مسيرتي التطوعية، حيث أُبرزت المهارات وتعمقت الأثر. لقد رسخت فينا مفهوم المواصلة والاستمرار بين مرارة النزوح وويلات الحرب، وحب الشارة وإدمان خدمتها.
يوليو 2026م




