ضوءٌ فوق القمم.. كيف جعل طبيب نيبالي استعادة البصر حقاً وليس أمنية؟
حكايات إنسانية
في أقصى القرى النائية المعلقة بين جبال نيبال، لم يكن الظلام مجرد غيابٍ للنور، بل كان سجناً يطوق أرواح آلاف الفقراء الذين طواهم إعتام عدسة العين (الساد)، محولاً حياتهم إلى انتظار طويل لما يبدو مستحيلاً. كانت الجراحة الطبية بوابتهم الوحيدة للنجاة، لكن تكاليفها الباهظة والمسافات الجغرافية القاسية الممتدة بين قمم الجبال جعلت من حلم الشفاء ترفاً لا يملكه إلا الأثرياء.
غير أن هذا الشلل الإنساني وجد من يتحدّاه؛ إذ رفض الدكتور “ساندوك رويت” أن يظل البصر حكراً على من يستطيع دفع ثمنه. وبعد سنوات من التدريب الشاق في الهند وأستراليا، عاد إلى وطنه محصناً برؤية إنسانية عميقة تتجاوز حدود الطب التقليدي. ابتكر رويت تقنية جراحية مبسطة وسريعة وآمنة، وساهم في إنتاج عدسات صناعية عالية الجودة بتكلفة لا تتعدى بضعة دولارات، محطماً بذلك الجدار المالي الذي حرم الملايين من رؤية النور.
ولم يقف طموحه عند حدود عيادته؛ ففي عام 1994 أسس مركز “تيلجانجا” للعيون في كاتماندو، ليكون نقطة الانطلاق لفرق طبية متنقلة تجوب الجبال والقرى الحدودية المنسية. لم ينتظر المريض ليقطع المسافات الأليمة بحثاً عن العلاج، بل ذهب الشفاء إليه في بيته.
وعلى مدار عقود، منح هذا الطبيب فرصة الحياة من جديد لأكثر من مئة ألف إنسان، جُشّم معظمهم مرارة العجز سنوات طويلة قبل أن يستعيدوا أبصارهم مجاناً. لم تكن تلك العمليات مجرد إجراءات طبية ناجحة، بل كانت عودةً لمزارعين إلى أراضيهم، ولأجدادٍ أتكأت أيديهم على أيدي أحفادهم لرؤية وجوههم لأول مرة، ولعائلات استردت كرامتها واستقلالها.
ولأن عظمة الإنجاز تكمن في خلود أثره، رفض الدكتور رويت احتكار مبتكره الجراحي طلباً لشهرة أو ربح، بل فتح أبواب معرفته للعالم، مدرّباً أطباء من مختلف أنحاء آسيا وأفريقيا ليتضاعف الأثر ويستنير بفضله ملايين البشر. إن قصة رويت هي التجسيد الأسمى لرسالة مفادها أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بالثروة أو الألقاب، بل بعدد الأرواح التي أخرجتها من عتمة اليأس إلى ضياء الأمل.




