قٌصاصات تطوعية
أخر الأخبار

وطن يسكننا قبل أن نسكنه: رحلتي في عوالم العطاء

قصاصات تطوعية يرويها : نورالدين الهادي (بيلو)

 

​منذ أن خطوت خطوتي الأولى في عوالم التطوع، لم أكن أعلم أنني لا ألتحق بمؤسسات أو جمعيات بقدر ما كنت أجد طريقي إلى “بيتي الكبير”. في العمل التطوعي، لا مكان للرسميات الجافة أو العناد؛ فنحن هنا أسرة واحدة، يتشاور أفرادها بكل أريحية، يجمعنا هدف أسمى من ذواتنا: أن نتطور بمجتمعنا، ونخفف من أنين المعاناة. الجمال في هذه الرحلة يكمن في ذلك الانصهار العجيب، حيث تذوب آراء الجميع لتصب في مصلحة الإنجاز، فتتحول الأفكار المختلفة إلى لبنات قوية تدعم كيان المجتمع.

​لقد منحتني هذه المؤسسات أكثر مما أعطيتها؛ فبينما كنت أسعى لتقديم المساعدة، كنت أكتسب ذخيرة معرفية وخبرات عملية لا تُقدّر بثمن. اكتشفت أن القضية الواحدة قد تحتاج ليد الطبيب، وعقل المهندس، وحكمة الاجتماعي، مما صقل ذهني وغير في سلوكي الشخصي بشهادة أقرب الناس لي. التطوع ليس مجرد عمل نقوم به، بل هو عملية صياغة جديدة للإنسان؛ فأنا اليوم لا أشبه ذلك الشخص الذي كنته قبل أن أغوص في تفاصيل العطاء الإنساني.

​ولعل الموقف الذي حُفر في ذاكرتي ولن يمحوه الزمن، كان في قلب السوق العربي بالخرطوم، حين كنت مسؤولاً عن التطبيب الميداني للمشردين. التقيت برجل كادت جروحه المهملة أن تودي بقدمه إلى البتر. وسط صرخات الألم وفوضى المكان، استعنت برفاقه لتثبيته وبدأت عملية تنظيف وتطهير مضنية. ذاك الذي كان يصرخ ويسب من شدة الوجع، تحول بعد لحظات من الراحة إلى إنسان يفيض بالشكر والامتنان، حتى صار كلما رآني وكأنني “أسير لجميله”، يحييني بحب ويذكر الجميع بأنني كنت سبباً في إنقاذه. في تلك اللحظات، تدرك يقيناً أن دورك الذي قد تراه بسيطاً، هو حياة كاملة بالنسبة لآخرين.

​مسيرتي لم تتوقف عند الميدان، بل صقلتها بالتدريب والتعلم؛ فمن أروقة الهلال الأحمر ودورات تدريب المدربين (TOT)، إلى أصعب المهمات الإنسانية كإدارة الجثث في طوارئ الخرطوم أثناء الحرب، وصولاً إلى العمل في الدعم النفسي والإرشاد للتوعية بمخاطر المخدرات مع منظمات مثل “بتكلي”. إنها حياة ممتدة من التطعيم الصحي إلى الإرشاد والتوعية، وفي كل محطة كنت أتعلم شيئاً جديداً عن عظمة الروح البشرية.

​لو عاد بي الزمن إلى الوراء، لما اخترت طريقاً غير هذا. فالسعادة التي يشعر بها المتطوع وهو يمد يده للآخرين هي إحساس لا تصفه الكلمات ولا يدركه إلا من عاشه. إنها دعوة صادقة للانضمام لهذا العالم، ليس كواجب فحسب، بل كرحلة للبحث عن أجمل ما في أنفسنا. سأظل متطوعاً، أنغمس في تفاصيل العطاء حتى الرمق الأخير، لأن خدمة الناس هي “الزبرة” الحقيقية والجوهر الذي يعطي للحياة معناها.

Seafr Alinsania

(سِفر الإنسانية) ، صحيفة للخير والعطاء دون رياء ، (سِفر الإنسانية) ، آيادي تمتد لتمسح دمعة الحزن علي الوجوه الكالحة ، (سِفر الإنسانية) ، آيادي تربت علي المحزون والموجوع ، (سِفر الإنسانية) ، لوحة ترسم معالم العطاء علي وجه الحياة ،(سِفر الإنسانية) بطاقة دخول لعالم الخير ..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى