في اليوم العالمي للعمل الإنساني، حسّيت إني محتاج أكتب شوية عن علاقتي بالعمل الإنساني، لأنها ما كانت يومًا جزءًا من الخطة.
أنا صيدلاني، واتخرجت كأول دفعة في الكلية طوال سنوات البكالوريوس، كان المسار المتوقع والواضح بالنسبة لي هو المسار الأكاديمي: ماجستير، دكتوراة، وربما حياة كاملة داخل الجامعة والبحث العلمي. مع اني بحب التدريس جدا وبعرف اوصل المعلومة بس كنت مايل اكتر من سنين الجامعة للعمل المجتمعي والعام ودا الخلاني اتكيف مع التغيير الحصل بعد كدا.
لكن بعد شهر واحد تقريبًا من التخرج، بدأت الحرب.
وفجأة، كل الخطط البعيدة بقت أقل أهمية من سؤال بسيط جدًا: الناس المحتاجة قدامك، حتعمل شنو؟
نزحنا وتشردنا بين مساحات واسعة من السودان، ومع النزوح اتغيّرت حياتي العملية بصورة كاملة. دخلت عالم العمل الإنساني، وتنقلت بين العمل الميداني والعمل المكتبي، وبين الاستجابة المباشرة والعمل في المناصرة والتنسيق.
وأعتقد أن أكثر شيء ظل يسعدني طوال الرحلة دي هو أن أكون قريبًا من المجتمعات التي نخدمها. لأن العمل الإنساني، بالنسبة لي، لا يبدأ من الـ budget ولا ينتهي عند الـ report.
يبدأ من الإنسان.
من إنك تشوف الشخص المحتاج كإنسان قبل ما تشوفه كـ beneficiary أو رقم في جدول.
ومن هنا اتعلمت أن المساعدة ما مفروض تكون سبب في فقدان الناس لكرامتهم. المحتاج ما أقل منك، والنزوح ما بينقص من قيمة الإنسان، والفقر ما بدي أي زول حق يتعالى على زول تاني.
نحن ما بنمنح الناس كرامتهم لما نساعدهم؛ الكرامة حق أصيل عندهم من البداية.
وبرضو، مع الوقت، بقيت أفرّق بين الإنسانية والصناعة الإنسانية.
العمل الإنساني اليوم بقى عنده ميزانيات ضخمة، مؤشرات، منح، وظائف، تقارير، اجتماعات، وعمليات معقدة جدًا. وكل ده مهم عشان نقدر نوصل المساعدة للناس بصورة أفضل وأكثر كفاءة.
لكن الخطر يبدأ لما تصبح الصناعة أهم من الإنسان.
لما يصبح الحفاظ على الميزانية أهم من الحفاظ على كرامة شخص.
لما يصبح الـ indicator أهم من القصة خلف الرقم.
لما ننسى أن وراء كل احتياج إنسان عنده اسم، وأسرة، وذكريات، وخوف، وأمل.
بالنسبة لي، الإنسانية أبسط من كل ده.
هي إنك تساعد لما تقدر.
إنك تسمع قبل ما تتكلم.
إنك ما تتعالى على زول بسبب وضعه.
إنك تحترم خيارات الناس وحقوقهم.
وإنك، حتى في أصعب الظروف، تحاول تترك أثرًا طيبًا في المكان والناس الذين مررت بهم.
الحرب غيّرت مسار حياتي بطريقة ما كنت أتخيلها، لكن يمكن من أهم الأشياء التي علمتني إياها أن الحياة أحيانًا لا تسألك عن الخطة التي وضعتها لنفسك، وإنما تسألك: ماذا ستفعل عندما تجد إنسانًا محتاجًا أمامك؟
ومهما حصل ليك في الحياة، ومهما أخدتك الظروف في اتجاهات ما كنت متوقعها…
اختار الإنسانية أولًا.
ساعد الناس على قدر استطاعتك، احفظ كرامتهم، دافع عن حقوقهم، وخلّي في المكان الذي مررت به شيئًا أفضل مما كان عليه.
وفي اليوم العالمي للعمل الإنساني 2026، الشعار بيقول:
«انتهى وقت القلق، وحان وقت اتخاذ الموقف.»
يمكن دي واحدة من أهم الرسائل بالنسبة لي: الإنسانية ما مفروض تكون مجرد تعاطف نحس بيه، وإنما موقف نختاره، وسلوك نمارسه، ومسؤولية نتحملها.
في النهاية، يمكن الوظيفة تتغير، والمسمى الوظيفي يتغير، والخطة كلها تتغير…
لكن الأثر الطيب البتخليه وراك، هو الحاجة البتفضل




