يحتل الإعلام في السودان مكانة محورية في نشر ثقافة لغة الإشارة، باعتبارها الوسيلة الكفيلة بكسر العزلة بين مجتمع الصم وبقية أفراد المجتمع. فعندما تلجأ القنوات التلفزيونية والإذاعات والمنصات الرقمية إلى الاستعانة بمترجمي لغة الإشارة في الأخبار والبرامج، تصل المعلومة إلى الشخص الأصم آنياً، على قدم المساواة مع سائر المواطنين، بما يجعله مشاركاً واعياً بما يدور حوله دون الحاجة إلى وسيط.
كما يسهم الإعلام في تصحيح الصورة الذهنية السائدة عن الصم. إذ يعتقد كثيرون أن الأصم عاجز عن الفهم أو المشاركة، غير أن استضافة نماذج ناجحة من الصم، وعرض إنجازاتهم التعليمية والمهنية، وتوظيف لغتهم في المحتوى الإعلامي، يصحح هذا التصور. وينتج عن ذلك اعتراف مجتمعي بلغة الإشارة كلغة قائمة بذاتها، ذات ثقافة وهوية، مما يمهد لدمج الصم في المدارس والجامعات وسوق العمل، ويحد من مظاهر التهميش.
ومن جانب آخر، يقوم الإعلام بدور تعليمي موجه إلى السامعين، بتعريفهم بأساسيات لغة الإشارة. فكثير من الأسر التي لديها طفل أصم، وكثير من العاملين في المستشفيات والبنوك والمؤسسات، يفتقرون إلى أدوات التواصل معه. وحين تُخصص فقرات تلفزيونية أو مقاطع قصيرة على وسائل التواصل الاجتماعي لتعليم مفردات يومية بلغة الإشارة السودانية، يكتسب الجمهور مهارات أولية تكسر حاجز الخوف من التعامل مع الأصم، وتمنحه قدراً أكبر من الاستقلالية وتقلل اعتماده على المترجم في كل معاملة.
كذلك يضطلع الإعلام بمهمة توثيق لغة الإشارة السودانية وصونها. فهذه اللغة حافلة بالمفردات والتراث والتعبيرات المرتبطة بالبيئة السودانية، وإذا لم تُسجل في برامج ولقاءات ومواد مصورة مع كبار الصم، فإن جزءاً كبيراً منها مهدد بالاندثار. وبذلك يتحول الإعلام إلى أرشيف حي لحفظ لغة وثقافة مجتمع الصم.
إلا أن الأمر يستدعي انتباهاً خاصاً لدور وسائل التواصل الاجتماعي والمؤثرين. فمنصات مثل تيك توك ويوتيوب وإنستغرام تزخر بمحتوى لتعليم لغة الإشارة، لكن معظمه يعتمد إشارات أمريكية أو خليجية أو مصرية ويقدمها بوصفها لغة موحدة. وهذا يحدث تشويشاً، إذ لكل دولة لغتها الخاصة المرتبطة بثقافتها. وتكمن الإشكالية في أن عدداً من المؤثرين السودانيين، من الصم والسامعين، ينقلون إشارات وافدة دون الرجوع إلى مرجعية سودانية، بدافع حسن النية أحياناً أو سعياً وراء الانتشار. وبحكم ثقة المتابعين بهم، تترسخ المعلومة الخاطئة بوصفها صحيحة، مما يهدد الخصوصية الثقافية للغة الإشارة السودانية.
وعليه، تقع على عاتق المؤثر السوداني مسؤولية كبرى. فينبغي أن يتحرى توثيق الإشارة المحلية، وأن يعود إلى كبار الصم وإلى اتحاد الصم قبل النشر، بدلاً من الاكتفاء بنسخ محتوى أجنبي لتحقيق المشاهدات. فخوارزميات المنصات تميل إلى دعم المحتوى المطابق للمعايير العالمية، مما يدفع البعض إلى استخدام إشارات وافدة على حساب الثقافة المحلية. ولو توحد المؤثرون على صون لغتهم الأم وتعاونوا مع مجتمع الصم، لأصبحوا خط الدفاع الأول في مواجهة طمس الهوية.
إلى جانب ذلك، يسهم الإعلام في ترسيخ الوعي المجتمعي بحقوق الصم. فعندما ينقل معاناة الطلاب الصم في التعليم، والتحديات التي تواجههم، تلتفت الجهات الرسمية والمنظمات والمجتمع إلى أهمية القضية. وهكذا ينتقل موضوع الصم من هامش الاهتمام إلى صدارة النقاش العام والمطالبات المجتمعية.
إن نشر ثقافة لغة الإشارة عبر الإعلام في السودان ضرورة لازمة لتحقيق الدمج والتعليم وصون الحقوق، ولكفالة أن يعيش الشخص الأصم باستقلالية وكرامة كجزء أصيل من نسيج المجتمع. ويظل دور المؤثرين السودانيين، من الصم والسامعين، محورياً في حماية اللغة من الاستلاب الثقافي وتوثيقها بصورتها الأصلية لا بصورة المحتوى الوافد.
كما يؤدي الإعلام دوراً في التمكين الاقتصادي والاجتماعي للصم. فاستضافة الحرفيين والتجار والموظفين من الصم ليحكوا تجاربهم بلغة الإشارة، يمنح الشباب الصم قدوات ملهمة، ويحفزهم على التعلم والعمل. وفي الوقت نفسه، يدرك المجتمع السامع أن الأصم عنصر منتج يمتلك مهارات، وليس مجرد متلق للمساعدة.
ويمتلك المؤثرون السودانيون فرصة ذهبية لصناعة محتوى أصيل. فيمكنهم التوثيق مع كبار السن من الصم لسرد الأمثال السودانية بلغة الإشارة، وإطلاق تحديات بالإشارات المحلية، وشرح أسماء المدن والأكلات والمناسبات السودانية بإشاراتها الحقيقية. فذلك يبقي لغة الإشارة السودانية حية ومتجددة، ويقربها من الأجيال الجديدة.
ولا بد للمؤسسات الإعلامية الكبرى أن تبادر. فلو خصصت القنوات الرسمية نشرة إخبارية كاملة بلغة الإشارة السودانية يقدمها مذيع أصم، أو أنتجت أعمالاً درامية تضم شخصيات صم تتحدث بلغتها الطبيعية، لكان الأثر بالغاً. وحينها سيرى الناس هذه اللغة يومياً، ويتعلمونها ضمنياً، فتتحول من لغة غريبة إلى لغة مألوفة في الشارع السوداني.
وخلاصة القول إن الحفاظ على لغة الإشارة السودانية مسؤولية جماعية. فالإعلام التقليدي، والمؤثرون من الصم والسامعين، وأسر الصم، ومجتمع الصم نفسه، جميعهم في مركب واحد. فإن تهاون أي طرف وقدم محتوى خاطئاً أو استسهل الثقافة الوافدة، غرقت المركب وضاعت الهوية. وإن تعاونوا على توثيق لغتهم ونشرها على نحو سليم، بقيت لغة الإشارة السودانية صامدة بلهجتها وملامحها وخصوصيتها، وظلت جسراً حقياً للدمج والكرامة.
عبد الرحمن الحبر الشيخ
أمانة الثقافة والإعلام – اتحاد الصم القومي السوداني
