حوار

مديرعام وزارة الرعاية الاجتماعية بولاية القضارف والوزير المكلف الاستاذة آسيا عبدالرحمن في حوار إستثنائي ل ( سِفر الإنسانية :

سفِر الإنسانية : واصله عباس

 

 

قرار فصل الوزارة صحّح المسار، ونقلنا من مرحلة “التبعية” إلى قيادة المبادرة ورسم السياسات الإنسانية المرنة.

استراتيجيتنا تهدف لنقل النازحين والمجتمعات المستضيفة من “مربع الإغاثة” إلى “مربع الإنتاج والتمكين الاقتصادي” صوناً لكرامة الإنسان.

 

واجهنا ضعف التمويل وشبكات الاتصال بالمحليات البعيدة بالحلول الرقمية وأجهزة (ستارلينك)، ونطالب المنظمات بالانتقال من الطوارئ المؤقتة إلى مشاريع البنية التحتية المستدامة.

 

​مقدمة الحوار

​في وقتٍ تتقاطع فيه التحديات الإنسانية مع الأزمات الاستثنائية التي تمر بها البلاد، تقف ولاية القضارف كحائط صدٍّ اجتماعي واقتصادي يستوعب موجات النزوح بروح التكافل والعطاء. وفي هذا الحوار الخاص، تفتح الأستاذة آسيا عبد الرحمن، مدير عام وزارة التنمية الاجتماعية والوزير المكلف بولاية القضارف، ملفات الوزارة الساخنة، لتكشف عن الأبعاد الاستراتيجية لقرار فصل الوزارة عن القطاع الصحي، وهو القرار الذي منحها الاستقلالية والمرونة لقيادة التغيير وصياغة السياسات الإنسانية بكفاءة.

​وتستعرض الوزيرة مخرجات ورشة العمل المتخصصة لدمج الوافدين اقتصادياً وتحويلهم من مربع “الاتكال على الإغاثة” إلى “مربع الإنتاج”، مستندةً إلى مسح اجتماعي شامل يضمن العدالة ويمنع الفجوات المجتمعية مع الأهالي المستضيفين. وتكشف الوزيرة بكثير من الشفافية عن كيفية هندسة الحلول للتحديات اللوجستية والمالية عبر تفعيل التقنيات الحديثة كأجهزة (ستارلينك) وتفويض المحليات، واضعةً النقاط على الحروف بشأن تقييم حجم التدخلات الدولية ومطالبتها للمركز والمنظمات بتبني مشروعات مستدامة تمس البنية التحتية، وعلى رأسها الحل الجذري لمياه الولاية. حوار يمزج بين التخطيط العلمي المستند على البيانات، والتقدير العميق لجنود العمل الاجتماعي ومجتمع القضارف المضياف.

​ 

​ إلى مضابط الحوار :

معالي الوزيرة، تم إصدار مرسوم ولائي بفصل التنمية الاجتماعية عن وزارة الصحة لإنشاء “وزارة الرعاية الاجتماعية” ككيان مستقل؛ ما هي الأبعاد الاستراتيجية لهذا القرار، وكيف تسهم الاستقلالية في تسريع الاستجابة للملفات الإنسانية بالولاية؟

نعم ​يُمثّل قرار والي ولاية القضارف، الفريق محمد أحمد حسن، الصادر في نهاية عام 2025 بفصل وزارة الرعاية والتنمية الاجتماعية عن وزارة الصحة، نقطة تحول جوهرية وخطوة سياسية ذكية جاءت في توقيت حرج يتطلب أقصى درجات المرونة والفاعلية. ويحمل هذا المرسوم أبعاداً استراتيجية عميقة؛ إذ يمنح الوزارة الاستقلالية المالية والإدارية التي تسهم في تسريع الاستجابة للمتطلبات الإنسانية، وتدعم سرعة اتخاذ القرار في الملفات الاجتماعية كافة.

​إن هذا الفصل يصحح المسار عبر فك الاشتباك المفاهيمي بين القطاعين؛ فبعد أن كان العمل الاجتماعي يقع في مرتبة ثانية بسبب طغيان التحديات الصحية المتزايدة نتيجة تدفق النازحين واللاجئين، يخرج القطاع اليوم من الزاوية الضيقة ليصبح كياناً قائماً بذاته. ويركز هذا الكيان على التنمية المستدامة، وإدارة ملفات النزوح، والسلم المجتمعي، والمسوحات الاجتماعية، والتمكين الاقتصادي للأسر النازحة والمستضيفة، وهي مجالات تتجاوز المفهوم الطبي البحت.

​كما يفتح القرار آفاقاً أوسع لتعزيز الشراكات الدولية وتوجيه برامج المسؤولية المجتمعية والمنظمات نحو القطاع الاجتماعي مباشرة، بعد أن كانت تستأثر بها الصحة سابقاً. وخلاصة القول، إن هذا المرسوم ينقل العمل الاجتماعي بالولاية من مرحلة التبعية إلى مرحلة المبادرة وقيادة التغيير، ويمنح الوزارة الأدوات الكاملة لرسم سياسات إنسانية مرنة قادرة على مجابهة التحديات الراهنة بكفاءة، واختصار الوقت والجهد لخدمة إنسان ولاية القضارف.

 

نظمت الولاية ورشة عمل متخصصة حول “الآثار الاقتصادية والاجتماعية للنزوح على النازحين والمجتمعات المستضيفة”؛ ما هي أبرز مخرجات هذه الورشة، وكيف تترجمها الوزارة إلى برامج دعم ميدانية؟  

​نظمت وزارة الرعاية والتنمية الاجتماعية بولاية القضارف ورشة عمل متخصصة تهدف إلى معالجة الآثار الاقتصادية والاجتماعية لجوء النازحين، وتخفيف الضغط على الموارد والأسواق المحلية. وترجمةً لمخرجات الورشة إلى خطط ميدانية، تبنت الوزارة استراتيجية “الدمج الاقتصادي التنموي” عبر خلق فرص عمل متوازنة تُكمل العمالة المحلية ولا تنافسها, بهدف تحويل الوافدين من الاعتماد على الإغاثة إلى الإنتاج، والارتقاء بالمجتمعات المستضيفة لتصبح مجتمعات منتجة.

تعاني المجتمعات المستضيفة في القضارف من ضغط هائل على الخدمات الشحيحة أصلاً؛ كيف توازن الوزارة في تقديم الدعم والمساعدات بين الوافدين (النازحين) وبين مواطني الولاية الأصليين لمنع حدوث أي فجوات اجتماعية؟

​على الصعيد الاجتماعي، ركزت الجهود على تعزيز التماسك المجتمعي ومنع الاحتكاكات، مع الإشادة بالدور المحوري لأهالي القضارف في الاستضافة. وفي هذا السياق، صممت الوزارة بالتعاون مع الشركاء والمنظمات مشروعات خدمية مزدوجة تستهدف النازحين والمجتمعات المستضيفة معاً داخل الأحياء ومراكز الإيواء؛ شملت صيانة المرافق، وحفر الآبار، وتعبيد وإنارة الطرق لتعزيز الأمن والحماية ليلاً، بالإضافة إلى تأهيل رياض الأطفال، تحقيقاً لمكاسب مستدامة للجميع.

​ودعماً للتخطيط السليم القائم على المعلومات، شرعت الوزارة في إجراء مسح اجتماعي شامل للولاية لضمان العدالة في توزيع المساعدات، وتحديد الأسر الأشد فقراً، فضلاً عن حصر مهارات النازحين للاستفادة منها وتشغيلها في السوق المحلي. وقد شكلت هذه الورشة بوصلة علمية وجهت تحركات الوزارة ميدانياً برؤية واضحة وتنسيق محكم لكبح الضغط على الخدمات الأساسية.

حماية النساء والأطفال من أهم الملفات في مناطق النزوح والاضطرابات؛ ما هي البرامج النفسية والاجتماعية التي تقودها الوزارة لمعالجة الصدمات والحد من الانتهاكات ضد الفئات المستضعفة؟

​تواجه الحماية الاجتماعية في ولاية القضارف تحديات لوجستية ومالية، أبرزها ارتفاع تكاليف النقل بسبب زيادة أسعار الوقود، وضعف شبكات الاتصال في المناطق النائية. ورغم ذلك، نجحت الوزارة بالتنسيق مع والي الولاية في تذليل هذه العقبات عبر توفير الميزانيات المطلوبة، وتزويد المحليات بأجهزة “ستارلينك” لضمان سرعة جمع البيانات والاستجابة الميدانية.

​كما حرصت الوزارة على تعزيز الشراكات والتشبيك مع المنظمات والشركاء لسد الفجوات التمويلية واللوجستية، وتفويض مكاتبها الفرعية في المحليات لتقليص الوقت والجهد والتكلفة. وإن ضعف التمويل لم يثنِ الوزارة عن أداء مهامها، بل شكل دافعاً للاعتماد على المبادرات الشبابية والمجتمعية، تماشياً مع الإرث التكافلي المشهود لولاية القضارف في دعم مشروعات التعليم والصحة عبر الجهد الشعبي، وصولاً إلى تفعيل العمل الاجتماعي وضمان ديمومتة. 

 

   تعيش البلاد ظروفاً استثنائية تؤثر على التمويل الحكومي؛ ما هي أبرز العقبات (اللوجستية والمالية) التي تواجه عملكم الميداني في المحليات البعيدة، وكيف استطعتم تجاوزها لضمان استمرار تقديم الخدمة؟

​تواجه الوزارة في العمل الميداني في المجتمعات البعيدة عقبات لوجستية ومالية متعددة؛ حيث شكلت زيادة أسعار الوقود عبئاً إضافياً أدى إلى ارتفاع تكاليف الترحيل والنقل، مما أثر سلباً على إجراء المسوحات الاجتماعية. ورغم هذه التحديات، تمكنت وزارة الرعاية الاجتماعية بالتنسيق مع والي ولاية القضارف من تذليل العقبات عبر توفير الميزانيات المخصصة لبرامج جمع البيانات لضمان التخطيط السليم والوصول إلى المحليات للوقوف على المشاكل والقضايا القائمة. كذلك أسهم ضعف شبكات الاتصال والإنترنت في إعاقة الرفع السريع للمعلومات، وتمت معالجة ذلك بتزويد المحليات بأجهزة “ستارلينك” لضمان تدفق البيانات في زمن وجيز وتحقيق الاستجابة السريعة لبرامج الحماية الاجتماعية. وتفعيلاً للعمل الاجتماعي وتقليلاً للتكاليف والوقت، قامت الوزارة بتفويض مكاتبها في المحليات لتباشر مهامها ميدانياً بدعم فني وإشرافي وكوادر مؤهلة. كما تم تعزيز الشراكات والتنسيق مع الشركاء لسد الفجوات اللوجستية، حيث تكفلت بعض المنظمات بوائل النقل ونفقات التسيير. ولم يقف ضعف التمويل عائقاً أمام مستهدفات الوزارة، بل كان دافعاً لتبني نموذج مرن يعتمد على المبادرات المجتمعية والشبابية؛ حيث تميزت ولاية القضارف تاريخياً بالجهد الشعبي والتكافل المجتمعي في مجالات التعليم والصحة، مما ساهم في تحريك الركود وتفعيل التفاعل الإيجابي مع العمل الاجتماعي والتنموي في المنطقة.

هناك تنسيق مستمر مع منظمات مثل (اليونيسف، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ومنظمة الإغاثة الدولية) في مجالات المياه، الإصحاح، والمعينات؛ كيف تقيمون مستوى هذا التنسيق؟ وهل يغطي التدخل الدولي حجم الاحتياج الفعلي على الأرض؟

​تمثل الشراكة والتنسيق بين وزارة الرعاية والتنمية الاجتماعية والمنظمات الدولية ركيزة أساسية في استراتيجية الاستجابة للأوضاع الإنسانية الراهنة، بهدف تكامل الأدوار بين التخطيط الحكومي والتمويل الدولي، وتقديم كافة التسهيلات اللازمة. ورغم هذه الجهود، تواجه الولاية فجوات واضحة في حجم التدخلات مقارنة بالاحتياجات الفعلية، ويُعزى ذلك إلى اتساع الرقعة الجغرافية وتزايد تدفقات النازحين واللاجئين.

​تواجه الاستجابة الطارئة تحديات ناجمة عن الإجراءات الطويلة والمعقدة لآليات التمويل الدولي، مما يعيق التدخل الفوري المطلوب لمواجهة مواسم الخريف والأوبئة الصحية الطارئة. ونظراً لاعتماد المساعدات الحالية على الإغاثة المؤقتة، وهشاشة مراكز الإيواء والمساكن، فإن الوضع يستلزم تجاوز مرحلة الطوارئ المؤقتة نحو تبني رؤية واضحة وحلول جذرية مستدامة من قبل المنظمات، تركز على مشاريع البنية التحتية لدعم الاستقرار وخدمة المجتمعات المستضيفة والنازحين واللاجئين على حد سواء.

 

ما هي ملامح خطة الوزارة للعام القادم؟ وهل هنالك توجه للانتقال من “مربع الإغاثة والمساعدات المؤقتة” إلى “مربع الإنتاج والمشروعات سريعة العائد” للأسر النازحة والمستضيفة. 

​نعم، بدأت وزارة الرعاية والتنمية الاجتماعية بولاية القضارف عملية التحول الاستراتيجي من مربع الإغاثة إلى مربع الإنتاج والتمكين الاقتصادي والمستدام، كأولوية قصوى وضعت عليها ملامح خطتها لتجاوز المرحلة الأولى من الأزمة، إيماناً بأن المساعدات المؤقتة تستنزف الموارد وتفقد الإنسان كرامته على المدى الطويل. وترتكز الخطة على مشروعات سريعة العائد بالتعاون مع وزارة الإنتاج والموارد والمنظمات الاقتصادية، مع التركيز على التمويل الأصغر، والتحول الرقمي عبر بناء قاعدة بيانات موحدة (السجل الاجتماعي) لتحقيق نظام استهداف ذكي يمنع تكرار تقديم الدعم ويضمن وصوله لمستحقيه. وتمثل ولاية القضارف صمام أمان اجتماعي واقتصادي في ظل استقبالها لأعداد كبيرة من النازحين، وتطالب الوزارة المركز بضخ المزيد من التدفقات المالية المباشرة لدعم ميزانيات التسيير والطوارئ، مع التشديد على ضرورة معالجة قضايا البنية التحتية، وعلى رأسها دعم مشروع الحل الجذري لمياه الولاية لتقليل المخاطر الصحية وتحسين الوضع الاقتصادي للأسر. كما تشيد الوزارة بمجتمع ولاية القضارف العظيم لجهوده التكافلية وسخائه في دعم النازحين، وتؤكد التزامها بالعمل في الخطوط الأمامية لخدمة إنسان الولاية رغم شح الإمكانيات، مع توجيه التحية لجنود العمل الاجتماعي المجهولين في الميدان.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى